تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
فالِقُ الْإِصْباحِ
شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار أو شاق ظلمة الإصباح وهو الغبش الذي يليه . والإصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصباح سمي به الصبح . وقرئ بفتح الهمزة على الجمع وقرئ « فالق » بالنصب على
شرح
[ الروم : 19 ] والحي حقيقة ما يكون موصوفا بالحياة المستتبعة للحس والحركة الإرادية ، والميت حقيقة ما يكون خاليا عن صفة الحياة مع كون الحياة من شأنه ولم يحملهما المصنف على معناهما الحقيقي لأن قوله تعالى :يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِفي موضع البيان لقوله تعالى :فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوىولذلك ترك العاطف بينهما فلو حملا على أصل معناهما لما صلحت الجملة لأن تكون بيانا لما قبلها ولما كانت مطابقة له . وقوله تعالى :وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِلما لم يصلح بيانا له لم يحسن عطفه علىيُخْرِجُ الْحَيَّفلذلك جعل معطوفا على قوله :فالِقُ الْحَبِّوذكر بلفظ اسم الفاعل مثله . ومنهم من حمل اللفظ على الحقيقة وقال : يخرج من النطفة الميتة بشرا حيا ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة ويخرج من البيضة فروجة حية ويخرج من الدجاجة بيضة ميتة . والزجاج حمله على المجاز وقال : يخرج النبات الخضر من الحب اليابس ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي . وقال ابن عباس : يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم ، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح عليه السّلام ، والعاصي من المطيع وبالعكس . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم « الميت » مشدد الياء في الكلمتين والباقون بالتخفيف . ثم إنه تعالى لما استدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته بدلالة أحوال النبات والحيوان استدل عليها أيضا بالأحوال الفلكية وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في الدلالة على كمال القدرة من دلالة فلق الحب والنوى بالنبات والشجر . فقال :فالِقُ الْإِصْباحِوهو مرفوع على أنه صفة لا بسم اللّه في قوله تعالى :ذلِكُمُ اللَّهُفإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك ، فإن الحق تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه ؟ فالجواب الأول أنه تعالى كما يشق الظلمة الخالصة الواقعة في الليل ويخرج منها عمود الصبح وهو الصبح المستطيل الذي شبهته العرب بذنب السرحان ويعقبه ظلمة خالصة ، كذلك يشق ذلك العمود ويخرج منه الظلمة الخالصة ويخرج منه أيضا بياض النهار وإسفاره . فإن الصبح والصباح والإصباح عبارات عن أول ما يبدو من النهار وأول ما يبدو منه صبحان : فالصبح الأول هو الصبح المستطيل الذي يعقبه الظلمة الخالصة ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق . فيصح أن يقال إنه تعالى فالق الإصباح الأول عن ظلمة آخر الليل وفالق الظلمة عن بياض النهار أيضا . والجواب الثاني أن المراد فالق ظلمة الإصباح على حذف المضاف والمراد بظلمة الإصباح الغبش الذي يلي الإصباح المستطيل ويعقبه ، والغبش بالتحريك البقية