فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن التوحيد
فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
( 64 ) أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل تنبيه انظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد وحسن التدرج في الحجاج بيّن : أوّلا أحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للإلهية ثم ذكر ما يحلّ عقدتهم ويزيح شبهتهم ، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإرشاد وسلك طريقا أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء
شرح
شائبة التعصب فهو كلام ثابت في المركز نسبته إلينا وإليكم على سواء واعتدال فقال :قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْأي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض ولا ميل فيها لأحد على صاحبه وهي أن لا نعبد إلا اللّه . قال الزجاج : « سواء » نعت « للكلمة » أي كلمة ذات سواء وعدل ، والمعنى إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية إذا أتينا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة .
قوله : ( أي لزمتكم الحجة ) حيث لم تقدروا على دفعها . وهذا المعنى مستفاد من قوله :اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَحيث أوجب عليهم أن يعترفوا بأنا مسلمون مهتدون إلى دار الحق منقادون للحق دونكم . وهذا الاعتراف إنما وجب عليهم من حيث كونهم محجوجين أي مغلوبين بالحجة والحصر المدلول عليه بقوله : « دونكم مستفاد من المقام » . والمعنى فإن تولوا وأعرضوا عن الإجابة لما دعوتهم إليه فليس إعراضهم ذلك لأجل مساعدة الحجة إياهم فقل لهم : قد أسفر الصبح وتبين الحق لذي عينين فاعترفوا بأنا مسلمون منقادون للحق دونكم . ونظيره قول الغالب في جهاد أو صراع أو نحوهما . اعترف بأني أنا الغالب ، وسلم إلى الغلبة . ولم يذكر الإمام في هذا المقام إلا قوله : « والمعنى إن أبوا إلا الإصرار فقولوا إنا مسلمون يعني أظهروا أنكم على هذا الدين ولا تكونوا بصدد أن تحملوا غيركم عليه » وسلك فيه مسلك الإمام الواحدي . قوله : ( أو اعترفوا بأنكم كافرون الخ ) على أن يكون قوله : ( أنا مسلمون ) تعريضا بكفرهم من حيث إنهم أعرضوا عن الحق بعد ظهوره . قوله : ( بيّن أولا أحوال عيسى عليه الصلاة والسّلام ) أي بقوله :وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا[ آل عمران : 46 ] ونحوه مما يدل على أنه وجد بعد أن كان معدوما واستقر مدة في مضيق الرحم ثم كان طفلا ثم صار مترعرعا ثم صار شابا يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ .
قوله : ( ثم ذكر ما يحلّ عقدتهم ) أي بقوله :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ[ آل عمران : 59 ] الآية . قوله : ( بنوع من الإعجاز ) وهو تقديم ذكر من يخاطر المرء بنفسه لأجلهم ويحارب دونهم على ذكر نفسه وأنفسهم .