سألوا اللّه تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا . فأذعنوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبذلوا له الجزية ألفي حلّة حمراء وثلاثين درعا من حديد . فقال عليه السّلام :
« والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على الشجر » . وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته .
إِنَّ هذا
أي ما قصّ من نبأ عيسى ومريم
لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
بجملتها خبر « إن » أو هو فصل يفيد أن ما ذكره في شأن عيسى ومريم حق دون ما ذكروه وما بعده
شرح
قال الواحدي : أراد بالأنفس بني العم ، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس ابن عمه ، وقد قال تعالى :وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْأراد إخوانكم من المؤمنين . وقيل : أراد بالأنفس الأزواج . وقيل : أراد بها القرابة القريبة . انتهى كلامه . والذي حملهم على هذا التوجيه الاحتراز عن أن يدعو الإنسان نفسه فإن الداعي إنما يدعو غيره . ولم يرض المصنف بشيء من هذه التوجيهات بل قال : « يدع كل منا ومنكم نفسه إلى المباهلة ويحمل عليها » ولا بعد في أن يحمل الإنسان نفسه على الأمر . وقوله : « أسقفهم » أي اعلمهم بأمور دينهم وهو بضم الهمزة وسكون السين وضم القاف وتشديد الفاء اسم لرئيس من رؤساء النصارى في الدين ، وهو أبو حارثة وكان من كبار علمائهم وصاحب مدراسهم والعاقب كان أميرهم . قال الإمام :
فإن قيل : الأولاد إذا كانوا صغارا لم يجز نزول العذاب بهم ، وقد ورد في الخبر أنه عليه الصلاة والسّلام أدخل في المباهلة الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فما الفائدة فيه ؟
والجواب أن عادة اللّه تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلك معهم الأولاد والنساء فيكون ذلك في حق البالغين عقابا وفي حق الصبيان والنساء لا يكون عقابا بل يكون جاريا مجرى إماتتهم وإيصال الإيلام إليهم . ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده شديدة جدا وربما جعل الإنسان نفسه فداء لهم ، وإذا كان كذلك هو عليه الصلاة والسّلام أخذ صبيانه ونساءه معه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون أدعى للخصم إلى قبول أحق وأبلغ في الزجر عن المخالفة وأقوى في تخويفهم وأدل على وثوقه عليه الصلاة والسّلام بأن الحق معه .
والمصنف أشار إلى هذا التفصيل بقوله : « وإنما قدمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم » أي يجعلها خطرا .
قوله : ( بجملتها خبر إن ) يعني أن « هو » مبتدأ و « القصص » خبره والجملة خبر « إن » هذا مذهب بعض العرب وعليه قراءة من قرأ في غير السبعة « وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون » و « أن ترني أنا أقل برفع الظالمين » وأقل على أن كل واحد منهما خبر ضمير الفصل الذي هو في محل الرفع على الابتداء . وأما الخليل فإنه ذهب إلى أن ضمير الفصل