إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
إن شأنه الغريب كشأن آدم
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
جملة مفسرة للتمثيل مبنية لما له الشبه وهو أنه خلقه بلا أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم شبّه حاله بما هو أغرب إفحاما للخصم وقطعا لموادّ الشبه ، والمعنى خلق قالبه من التراب .
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
أي أنشأه بشرا كقوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً
شرح
الحكيم عليها من قبيل عطف الصفات كقوله :إلى الملك القرم وابن الهما * م وليث الكتيبة في المزدحموالذكر الحكيم فيه قولان : الأول أن المراد منه القرآن ، وكونه حكيما إما لكونه حاكما كالقدير والعليم بمعنى القادر والعالم والقرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه ، ويجوز أن يكون الحكيم بمعنى ذي الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه وجوّز أن يكون بمعنى محكم لقوله تعالى :كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ[ هود : 1 ] إلا أن الفعيل بمعنى المفعل قليل جدا نحو : عقدت العسل فهو عقيد ومعقد وحبست الفرس في سبيل اللّه فهو حبيس ومحبس . والقول الثاني إن المراد بالذكر الحكيم ههنا اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام . أخبر اللّه تعالى أنه أنزل هذه القصص مما كتب هنالك .
قوله تعالى :( إِنَّ مَثَلَ عِيسى )أجمع المفسرون على أن قوله تعالى :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَنزل عند حضور وفد نجران عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك أنهم قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لك تشتم صاحبنا ؟ قال : وما أقول ؟ قالوا : تقول إنه عبد . قال : أجل وهو عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى السيدة البتول . فغضبوا . وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من غير أب ؟ فقال :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَكائنهم قالوا : يا محمد لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو اللّه تعالى فقال : إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون أبوه هو اللّه وأن يكون ابنا للّه ، فكذا القول في عيسى . ومعنى المثل لغة الشبه ، ومعناه العرفي القول السائر المشبه مضرّ به بمورده ولا يضرب الإمالة غرابة فلذلك يستعار لفظ المثل لكل حالة غريبة وصفة عجيبة وشأن بديع تشبيها لها بمعناه العرفي فلذلك قال : « إن شأنه الغريب » الخ . قوله : ( والمعنى خلق قالبه من التراب ) جواب عما يقال : ظاهر نظم الآية يقتضي أن يكون خلق آدم وتكوينه مقدما على قول اللّه لهكُنْولا وجه له .
وتقرير الجواب الأول أن المعنى كون قالبه ثم أحياه . والجواب الثاني أن الخلق ليس بمعنى التكوين والإنشاء بل بمعنى التقدير والتسوية ويرجع معناه إلى علم اللّه تعالى بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك مقدم على قوله :كُنْوالجواب الثالث