وَمَكَرَ اللَّهُ
حين رفع عيسى وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل . والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرّة لا يسند إلى اللّه تعالى إلا على سبيل المقابلة والازدواج .
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( 54 ) أقواهم مكرا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب .
إِذْ قالَ اللَّهُ
ظرف لمكر اللّه أو خير الماكرين أو لمضمر مثل وقع ذلك
يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى عاصما إياك من قتلهم أو قابضك من الأرض من توفيت مالي أو متوفّيك نائما ، إذ روي أنه رفع
شرح
اليهود رجلا من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل البيت ويقتله فدخل فلم ير عيسى فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيه فألقى اللّه عليه شبه عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه يظنون أنه عيسى وهو يصيح أنا ططيانوس فلم يلتفتوا إليه . ثم قالوا :
وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ فوقع بينهم قتال عظيم فذلك مكر اللّه بهم . قيل : لما صلب شبيه عيسى ابن مريم جعلت أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها اللّه تعالى من الجنون تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى فقال لهما : على م تبكيان ؟ قالتا : عليك . قال : إن اللّه تعالى رفعني ولم يصبني إلا خير وإن هذا شخص شبه لهم . فلما كان بعد سبعة أيام قال اللّه تعالى لعيسى : اهبط إلى الأرض إلى مريم الحزينة في جبلها فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن حزنها ، ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم أي فاجعلهم متفرقين في الأرض دعاة إلى اللّه عز وجل . فأهبطه اللّه تعالى عليهم فاشتعل الجبل حين هبط نورا ثم جمعت له الحواريين فأمرهم فكان كل واحد منهم يتكلم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله :وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَقيل : عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين . قوله : ( والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة ) أي احتيال في إيصال الشر . والاحتيال محال في حقه تعالى فسمي جزاء المكر مكرا كما سمّي جزاء المخادعة بالمخادعة ، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء .
أو أن معاملة اللّه تعالى معهم كانت شبيهة بالمكر فسميت مكرا على سبيل الاستعارة .
قوله : ( أي مستوفي أجلك ) الجوهري : استوفى حقه وتوفاه بمعنى . وتوفّاه اللّه أي قبض روحه . والوفاة الموت . قال صاحب الكشاف : قوله :إِنِّي مُتَوَفِّيكَأي مستوفي أجلك . وذكر فيه أربعة أوجه : الأول أني بنفسي مستوفي أجلك لا أسلط عليك من يقتلك .
والثاني قابضك عن وجه الأرض إلى السماء . فالمستوفي على الأول الأجل وعلى الثاني الشخص . والثالث مميتك في وقتك بعد النزول من السماء كأنه قيل : سأتوفاك وأما الآن فلا ولا نظر إلى أنه يقتل فيما بعد أو يموت حتف أنفه . والرابع أني مستوفي نفسك بالنوم .