إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
بدل من إذ قالت الأولى وما بينها اعتراض أو من إذ يختصمون على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمان متسع كقولك : سنة كذا .
يا مَرْيَمُ
شرح
أن يكون ابتداء استفهام لفساد المعنى ولا يجوز تعليقه « ليلقون » لأن التعليق بالاستفهام من خصائص أفعال القلوب ويلقون ليس منها ، ولا مما يحكى بعده الجمل فلا بد من أن يقدر فعل له تعلق « بيلقون » لئلا ينقطع النظم . فإن قولهم :أَيُّهُمْ يَكْفُلُمرتبط من جهة المعنى « بيلقون » فلما لم يصح تعليقه بالاستفهام وجب أن يتعلق بفعل مقدر ليبقى الارتباط المعنوي ، ووجب أن يكون الفعل المقدر مما يصح تعليقه بالاستفهام ويتعلق « بيلقون » بأن يكون في موضع المفعول له وذلك قوله : « أي يلقونها ليعلموا » وإن لم يكن مما يصح تعليقه بالاستفهام فلا بد أن يكون مما يحكى بعده الجمل ويكون في موضع الحال من فاعل يلقون أي يلقون قائلينأَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَوالظاهر في عبارة المصنف « أو يقولوا » أن تكون بنون الإعراب إذ لا وجه لكون « يقولوا » علة لإلقاء الأقلام ، ولم يقدّر ينظرون كما قدّره الزمخشري لأن التعليق من خواص أفعال القلوب كما هو المشهور وهو ليس منها . وأما الزمخشري فقد اعتمد على ما ذكره الشيخ ابن الحاجب من أن النظر فعل إدراكي يصح تعليقه بالاستفهام خاصة .
قوله : ( بدل من إذ قالت الأولى ) فيه بعد لكثرة الفاصل بين البدل والمبدل منه .
قوله : ( أو من إذ يختصمون ) والظاهر أن المراد بالبدل هو بدل الكل من الكل وذلك يستلزم اتحاد زمان الاختصام بزمان قول الملائكة وليس كذلك ، لأن الاختصام وقع في زمن صغر مريم جدا وقول الملائكة وقع بعد ذلك بزمان مديد ، فكيف يصح الإبدال من « إذ يختصمون » بدل الكل ؟ فالمنصف أشار إلى جوابه باعتبار كون زمان الاختصام والبشارة زمانا ممتدا متسعا يقع الاختصام في بعض أجزائه ، والبشارة في بعض آخر فيكون قوله :
« إذ يختصمون » إشارة إلى جميع ذلك الزمان وكذا قوله :وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ[ آل عمران :
42 ، 45 ] يكون إشارة إلى جميع ذلك الزمان فيكون الثاني عين الأول بهذا الاعتبار ، فيجوز أن يكون بدلا منه بدل الكل وقد شاع بينهم أن يعبر عن الزمان الواقع ظرفا للفعل بزمان ممتد يقع فيه أفعال كثيرة نحو : لقيته سنة كذا وفارقته في تلك السنة . والحال أن الملاقاة وقعت في أول السنة والمفارقة في آخرها . و« مِنْهُ »في قوله تعالى :بِكَلِمَةٍ مِنْهُفي محل الجر على أنه صفة « لكلمة » و « من » لابتداء الغاية لأن سبب ظهور عيسى عليه الصلاة والسّلام وحدوثه هو الكلمة الصادرة منه تعالى أطلق عليه لفظ الكلمة بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب وحدوث كل مخلوق وإن كان بسبب هذه الكلمة إلا أن السبب المتعارف للحدوث لما كان مفقودا في حق عيسى عليه الصلاة والسّلام كان إسناد حدوثه