والثاني هدايتها وإرسال الملائكة إليها وتخصيصها بالكرامة السنّية كالولد من غير أب وتبريتها مما قذفته اليهود بإنطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين .
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
( 43 ) أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها وقدّم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب أو ليقترن اركعي بالراكعين للإيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين . وقيل : المراد بالقنوت إدامة الطاعة كقوله تعالى :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
[ الزمر : 9 ] وبالسجود الصلاة كقوله تعالى :
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
[ ق : 40 ] وبالركوع الخشوع والإخبات .
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي .
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ
أقداحهم للاقتراع .
شرح
تحيض ، وعن تهمة اليهود وكذبهم . قوله : ( والثاني ) وهو اصطفاؤها على نساء العالمين فإن جميع ما ذكر لم يتفق لغيرها من الإناث . روى موسى بن عتبة عن كريب عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية » . وهو حديث حسن يوافق الآية في الدلالة على أن مريم أفضل من جميع نساء العالمين . وعن أنس قال : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وآسية امرأة فرعون . وهو يدل على أن هؤلاء الأربع أفضل النساء .
قوله : ( في الجماعة ) مستفاد من قوله :مَعَ الرَّاكِعِينَوقوله : « بذكر أركانها » فإن كل واحد من القنوت وهو طول القيام والسجود والركوع من أركان الصلاة وتسمية الشيء بتسمية أشرف أجزائه مجاز مشهور . فتكون الأجزاء الثلاثة : وهي القيام والسجود والركوع مجازا عن الصلاة ويكون مع الراكعين مجازا عن المصلين وعبر عنها بأركانها الثلاثة . وفي جعل الركن مجازا عن الكل مبالغة في المحافظة على أركانها . قوله : ( أو ليقترن اركعي بالراكعين ) يعني أن كون فواصل الآية هي النون يستدعي أن يكون مع الراكعين آخر الآية . فلو أخّر قوله :وَاسْجُدِيعن قوله :وَارْكَعِيلزم أن ينفصلوَارْكَعِيعن قوله :مَعَ الرَّاكِعِينَوفي الكشاف : ويحتمل أن يكون في زمانها من يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع ، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع ، وهو قول المصنف للإيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين . قوله : ( ما ذكرنا من القصص ) أي من حديث حنة وزكريا ويحيى ومريم وعيسى وإنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي