وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
( 42 ) كلّموها شفاها كرامة لها ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كان معجزة زكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى عليه السّلام فإن الإجماع على أنه تعالى لم يستنبىء امرأة لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا
[ الأنبياء : 7 ] وقيل :
ألهموها . والاصطفاء الأوّل تقبّلها من أمها ولم تقبل قبلها أنثى وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة عن الكسب . وتطهيرها تطهيرها عما يستقذر من النساء
شرح
البكرة ، ثم يسمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا كما يسمى إصباحا . وقرىء شاذا و « الإبكار » بفتح الهمزة وهو جمع بكر بفتح الفاء والعين كسحر وأسحار .
قوله تعالى :( وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ )إن شئت جعلته معطوفا على الظرف قبله ، وهو قوله :إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَوإن شئت جعلته منصوبا بمقدر . قوله : ( كلموها شفاها ) قال أهل التفسير : المراد بالملائكة ههنا جبريل عليه الصلاة والسّلام وذلك لا يعلم إلا بالخبر فإن صح الخبر فهو كذلك وإلا فلا ، ولم يقل من قال ذلك من الملائكة من هو ؟ قال الإمام :
والقول بأن القائل هو جبريل وإن كان عدولا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه . لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليهاالسّلام هو جبريل وهو قوله تعالى :فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا[ مريم : 17 ] أي سوى الخلق لتستأنس بكلامه .
ثم قال : واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ[ يوسف : 109 ؛ النحل : 43 ؛ الأنبياء : 7 ] وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل إليها إما أن يكون لكرامة لها وهو مذهب من يجوّز كرامات أولياء اللّه تعالى أو إرهاصا لعيسى عليه الصلاة والسّلام وذلك جائز عند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكريا عليه الصلاة والسّلام وهو قول جمهور المعتزلة . ومن الناس من قال : إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب كما في حق أم موسى عليه الصلاة والسّلام في قوله :وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى[ القصص : 7 ] والإرهاص من الرهص بالكسر وهو الصف الأسفل من الجدار ، وهو في الاصطلاح تقدم ما يشبه المعجزة على دعوى النبوة كإظلال الغمام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتكلم الحجر والمدر وغير ذلك . قوله : ( وإغناؤها برزق الجنة عن الكسب ) فكان يأتيها رزقها من عند اللّه تعالى على ما قال تعالى :كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[ آل عمران : 37 ] قال الحسن : إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين بل ألفتها إلى زكريا فكان رزقها يأتيها من الجنة . قوله : ( وتطهيرها ) أي بأن طهرها اللّه تعالى عن الكفر والمعصية وعن الأفعال الذميمة والصفات القبيحة وعن مسيس الرجال ، وعن الحيض والنفاس قالوا : وكانت مريم لا