تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ويفوقهم وكان فائقا للناس كلّهم في أنه ما همّ بمعصية
وَحَصُوراً
مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي . روي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت .
وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
( 39 ) ناشئا منهم أو كائنا من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة .
شرح
أن يراد بالكلمة كتاب اللّه تعالى وآياته كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اللّه تعالى المنزلة فعبّر عن الجمع ببعضه كما تقول العرب : أنشدني كلمة فلان أي قصيدته التي قالها وإن طالت . قال عليه الصلاة والسّلام : « أصدق كلمة قالها لبيد : إلا كل شيء ما خلا اللّه باطل » وذكر لحسان رضي اللّه عنه الحويدرة الشاعر فقال : لعن اللّه كلمته ، يعني قصيدته . وقوله : « من اللّه » في محل جر على أنه صفة « لكلمة » فيتعلق بمحذوف أي كلمة كائنة من اللّه . وسيدا وحصورا ونبيا أحوال أيضا كمصدقا . و « من الصالحين » صفة لقوله : « نبيّا » أي نبيّا كائنا من أولاد الصالحين أو كائنا من عدادهم . فإن مراتب الصلاح لكونها متفاوتة جاز أن يمدح به الأنبياء وإن كانت النبوة أشرف أحوال نوع الإنسان حتى أن سليمان عليه السّلام مع كونه من جملة الأنبياء . قال :وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ[ النمل : 19 ] طلبا لأعلى مراتبه . والظاهر أن يكون في قوله :أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌتامة وأن الجار والظرف كلاهما متعلقان « بيكون » والمعنى من أين يحدث أو كيف يحدث لي غلام ؟ فإن زكريا عليه الصلاة والسّلام لما ناداه الملائكة وبشروه بيحيى تعجب من مجيء الولد من الشيخين الكبيرين فراجع في استكشاف وجهه وكيفية ظهوره إلى اللّه تعالى فقال ذلك . وقيل : إنه خطاب مع الملائكة . والرب إشارة إلى المربي ويجوز وصف المخلوق به فإنه يقال : فلان يربيني ويحسن إليّ . فإن قيل : لما أيقن زكريا بقدرة اللّه تعالى على كل ممكن فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة فأجاب اللّه تعالى دعاءه وبشره بيحيى فلم تعجب منه ولم أستبعده ؟ والشك في قدرة اللّه تعالى لا يقوم بشأنه إذ لا يخفى على مثله أنه لا يلزم أن يكون كل إنسان مخلوقا من نطفة سابقة عليه وأن تكون تلك النطفة مخلوقة من إنسان سابق عليها وإلا لزم التسلسل وقدم الحوادث المتولدة بالنوع ، فلا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه اللّه تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها اللّه تعالى لا من إنسان . أشار المصنف إلى جوابه بقوله : « استبعادا من حيث العادة » الخ يعني أن زكريا عليه الصلاة والسّلام لم يقل هذا الكلام بناء على شكه في قدرة اللّه تعالى وإنكاره لما قال الملائكة ، وإنما قاله استبعادا لتسببه عن غير الوجوه المعتادة والأسباب المعهودة ، أو استعظاما لقدرة اللّه تعالى لأن الحادثة الواقعة على خلاف العادة أدل على عظم قدرة المحدث ، أو تعجبا من وقوعه من حيث خفاء سببه . وهذه الوجوه الثلاثة مبنية على أن يكون قوله :أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌبمعنى من أين يكون ابنا