تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية وهو أنهم إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وخلّوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب ، وكان الرجل منهم يقول : إن شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها . وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلتهم ، وإن ولدتهما قالوا : وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر . وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرّموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى وقالوا :
شرح
قوله : ( رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية ) أشار به إلى ارتباط هذه الآية بما قبلها ، فإنه تعالى نهى قبلها عن أن يسألوا عن حكم سكت اللّه عنه ومنع بهذه الآية وأنكر التزام ما لم يكلفوا بالتزامه بناء على زعم أنه تعالى شرع ذلك وأوجبه عليهم افتراء عليه تعالى ، حيث قال :ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍالآية ، أي ما شرع ذلك ولا أمر بالبحيرة وغير ذلك ؛ ولكنهم بتحريمهم ما حرموا وبنسبتهم ذلك التحريم إلى اللّه يفترون على اللّه الكذب . ويحتمل أن يكون الجعل بمعنى التصيير ، كما في قوله :جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ[ المائدة : 97 ] ويكون مفعوله الثاني محذوفا ، أي : ما صير اللّه بحيرة مشروعة . قوله : ( إذا نتجت الناقة ) على بناء ما لم يسم فاعله ، يقال : نتجت الناقة تنتج نتاجا أي نتجها أهلها نتجا أي ولي أهلها نتاجها حتى وضعت ، فأهلها ناتج ، والناتج للبهائم بمنزلة القابلة للنساء . والأصل نتجها أهلها ولدا على أن ضمير الناقة مفعول أول و « ولدا » مفعول ثاني ، وإذا بني للمفعول قيل نتجت ولدا بإسناد الفعل إلى مفعوله الأول وترك الثاني منصوبا ، فأهلها تصيرها واضعة لولدها وكانت هي مصيرة واضعة الولد . ذكر اللّه في هذه الآية أربعة أشياء ، أولها : البحيرة ، وهي فعيلة بمعنى المفعولة من البحر وهو الشق ، يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها وسيّبها للصنم بأن يمتنع من ركوبها ومن أن يحمل عليها حملا ومن نحرها وجزّ وبرها فلا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى وإذا لقيها العي لم يركبها . وثانيها : السائبة ، وهي فاعله من قولهم ساب الماء يسيب سيبا إذا جرى على وجه الأرض ، سميت الناقة التي قال صاحبها في حقها : إن شفي مريضي أو قدم غائبي فناقتي سائبة سائبة ؛ لأنها تسيب حيث شاءت . وثالثها : الوصيلة ، وهي فعيلة بمعنى فاعلة سميت الأنثى من ولد الشاة إذا ولدت مع الذكر في بطن واحد وصيلة من حيث إنها وصلت أخاها وتركا معا في الغنم حيين ولم يذبح الذكر لأجل آلهتهم من أجلها ، فإنه لو انفرد ، الذكر لكان محرما على أهله بزعمهم بل تذبحه سدنة الأصنام وخدامها لها فتبقى الأنثى منفردة عنه ولا تصل به ، فلما ولدا في بطن واحد وصلت الأنثى بأخيها وبقيا حيين وكانا لأهلهما فسميت وصيلة ؛ فالمعنى : ما جعل اللّه أنثى تحلل ذكرا محرما على أهله عند انفراده
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 599 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين