اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 98 ) وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها أو لمن أصرّ عليه ولمن انقلع عنه .
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
تشديد في إيجاب القيام بما أمر أي الرسول أتى بما أمر به من التبليغ ولم يبق لكم عذر في التفريط .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
( 99 ) من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة .
شرح
بذلك الفعل المقدر ، و « تعلموا » منصوب بإضمار « أن » بعد لام كي . والوجه في كون جعل البيت الحرام قياما لمصالح الدين والدنيا مؤديا إلى علمنا بأن اللّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، أو في كون ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره مؤديا إلى علمنا بذلك أنا قد علمنا بسبب أن بين اللّه ذلك أن وجه الحكم في شرع ما شرعه من الأحكام المتعلقة بالإحرام ومناسك العبادات ومواقيتها ، أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طبائع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أن هذه الحالة لو دامت بهم لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه في معاشهم وأدّى ذلك إلى فنائهم وانقراضهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا وهو أنه تعالى ألقى في قلوبهم تعظيم البيت وتعظيم مناسكه فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام وفي الشهر الحرام وقدروا بذلك على تحصيل ما يحتاجون إليه في ذلك الزمان وفي ذلك البلد فاستقامت بذلك مصالح معاشهم ، وهذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان اللّه تعالى عالما في الأزل بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات وكان بكل شيء عليما . ومن البين أن إتقان الفعل وإحكامه وكونه على وفق المصالح ومقتضى الحكم دليل واضح على كمال علم الفاعل ، وأي فعل يكون أتقن وأحكم من إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب وجعله سببا لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المرتبة على ما شرع من الأحكام المتعلقة بها ؟ فعلمنا بذلك أن صانع العالم عالم بجميع المعلومات .
ثم إنه تعالى لما ذكر أنواع رحمته لعباده بجعله البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والبدن ذوات القلائد خاصة سببا لقوام مصالح الناس في أمر دينهم ودنياهم ، ذكر بعده شدة العقاب لمن استحل المحارم وهتك حرمتها وكونه غفورا رحيما لمن تاب وأناب ؛ لأن الإيمان لا يتم إلا بالخوف والرجاء ، قال عليه الصلاة والسّلام : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » وقال عليه الصلاة والسّلام : « لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبة ما طمع في الجنة أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط من جنته أحد » . ثم إن أمر الثواب والعقاب لما توقف على التكليف وبعث الرسول وتبليغه إلى عباد اللّه تعالى ما أمروا به وما نهوا عنه وبيانه لهم ما يكون سببا لنجاتهم من عقابه وفوزهم برحمته وثوابه ، بيّن