الثاني
قِياماً لِلنَّاسِ
انتعاشا لهم أي سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار ، أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم . وقرأ ابن عامر « قيما » على أنه مصدر على فعل كالشبع أعلّ عينه كما
شرح
جعله متعديا إلى واحد وهو الكعبة وجعل « قياما » منصوبا على الحال ، والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة تشبيها له بكعب الرجل الذي عند ملتقى الساق والقدم في كونه على هيئته في التربيع ، وقيل : سميت كعبة لارتفاعها عن الأرض وأصلها من الخروج والارتفاع ، وسمي الكعب كعبا لنتوئه وخروجه عن جانبي القدم ، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها إنها تكعبت أي صارت كاعبا ، والتكعّب نهود الثدي ؛ قال اللّه تعالى :وَكَواعِبَ أَتْراباً[ النبأ : 33 ] والكعبة المعظمة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، وكذلك يقال لمن عظم شأنه وارتفع قدره فلان علا كعبه ؛ فقول المصنف : « لتكعبه » يجوز أن يكون بمعنى لتربعه وأن يكون بمعنى لارتفاعه . قوله : ( انتعاشا لهم ) أي ارتفاعا لهم من الضعف ، يقال : نعشه اللّه نعشا أي رفعه ، وانتعش العاثر إذا نهض من عثرته . قوله :
( يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ) استئناف لبيان كونه سببا لانتعاشهم في أمر معاشهم . وقوله : « ويتوجه إليه الحجاج والعمار » بيان لكونه سببا لانتعاشهم في أمر معادهم ، فإن ما في البيت من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة سبب لحط الخطيئات وارتفاع الدرجات ونيل الكرامات . وأصل « قياما » « قواما » لأنه من قام يقوم ، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . والقيام ما يستقيم به الأمر ويصلح به الحال مثل الكعبة فإنها سبب لقوام مصالح الناس ، كما بين عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : لو تركوه عاما واحدا لم ينظروا ولم يؤخروا ؛ أي ينزل عليهم العذاب فيهلكون جميعا . قوله : ( أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم ) يعني أن البيت الحرام سبب للقيام والانتعاش ؛ لأن القائم المتقوي على الأول هم الذين يزورون فإنهم يتقوون بسبب البيت في أمر معاشهم ومعادهم ، وعلى الثاني هو الأمور المتعلقة بأمر دينهم ودنياهم ؛ وقوام الشيء وقيامه ما يقوم به شأنه وينتظم به . قوله : ( أعلّ عينه ) جواب عما يقال : لو كان مصدرا كالشبع لصح واوه كما صح ، ولو حول وأعلّ فإن حروف العلة إنما تعل إذا كانت في فعل أو في اسم على وزن فعل ، وقيم ليس منهما ؟
وتقرير الجواب : أنه قد يعل حرف العلة فيما لا يكون فعلا ولا اسما على وزن فعل تبعا كما أعل واو ديار تبعا لواحده وهو دار فإنه اسم على وزن فعل ، فأعل ثم أعل جمعه تبعا له وأعل قيام تبعا لفعله وهو قام ، فكذا أعل قيم تبعا لفعله . و « قيما » في هذه القراءة منصوب على المصدرية سواء كان جعل بمعنى خلق أو بمعنى صير ، وكان البيت الحرام مفعوله الثاني والكعبة الأول ؛ أي خلق اللّه الكعبة تقوم قيما ، فالجملة الفعلية حال من مفعول جعل وقيما