تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
مما لم يحرّم عليهم لقوله :
إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي اتقوا المحرم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة
ثُمَّ اتَّقَوْا
ما حرم عليهم بعد كالخمر
وَآمَنُوا
بتحريمه
ثُمَّ اتَّقَوْا
ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي
وَأَحْسَنُوا
وتحرّوا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها . روي أنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة : يا رسول اللّه فكيف
شرح
متراخ عن أصل الاتقاء . ويحتمل أن يكون المراد بكلمة « ثم » التراخي في الرتبة ؛ لأن الثبات على الشيء فوق إحداثه ، كما قيل :لكلّ إلى جنب العلى حركات * ولكن عزيز في الرجال ثباتوقوله :فِيما طَعِمُواأي في شربهم الخمر وأكلهم الميسر ؛ غلّب المطعوم على المشروب لما مر من أن الآية نزلت جوابا لقول الصحابة : فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ؟ والطعام فيما يؤكل مضغا والشراب فيما يبتلع بدون المضغ ، فالطعم خلاف الشرب . ويحتمل أن يكون الطعم في قوله :فِيما طَعِمُوامن الطعم المتناول للأكل والشرب ، كما في قوله تعالى :وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيبعد قوله :إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي[ البقرة : 249 ] جعل الطعم بمعنى الشرب . فإن قيل : قوله تعالى :لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌبماطَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوايدل على أن الجناح إنما ينتفي عن المؤمن الذي طعم مباحا بشرط إن آمن واتقى المعصية وعمل صالحا ، ومن المعلوم أن انتفاء الجناح عن المؤمن ليس مشروطا بشيء من الإيمان والتقوى والإحسان وإنما الجناح في ترك شيء من تلك المذكورات لا في تناول المباح عند انتفاء شيء منها ، فما الوجه في تقييد انتفاء الجناح عمن تناوله بقوله :إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا ؟أجيب عنه : بأن قوله تعالى :إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُواالخ ، لم يذكر لتقييد نفي الجناح عنهم بتحقق هذه الأوصاف فيهم ، بل المقصود منه توصيفهم بتلك الأوصاف السنية مدحا لهم وثناء عليهم ، فالصحابة الذين قالوا : كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ؟ تم جوابهم بقوله : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا من المباحات ؛ لأنهم طعموها قبل أن حرمت . وما ذكر بعده إنما ذكر لمجرد المدح والثناء عليهم ، ويدل عليه ختم الكلام بقوله :وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَفإن تلك الأوصاف لو ذكرت لاشتراط نفي الجناح عنهم باتصافهم بها لما كان لختم الكلام بذلك وجه .