يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ
نزلت عام الحديبية ابتلاهم اللّه بالصيد وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها آخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون . والتقليل والتحقير في « بشيء » للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عندما هو أشد منه .
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
ليتميز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه ،
شرح
جملة « ليس » مع ما في حيزها ، والتقدير : لا يأثمون ولا يؤاخذون وقت اتقائهم ، ويجوز أن لا تكون ظرفا محضا بل يكون فيه معنى الشرط ويكون جوابه محذوفا أو مقدما على اختلاف البصريين والكوفيين .
قوله تعالى :( لَيَبْلُوَنَّكُمُ )أي ليختبرن أيكم هو المطيع لربه المتبع لرضوانه وأيكم المائل لشهوته والمغلوب لطبيعته ، والمعنى : ليعاملنكم معاملة المختبر ؛ ابتلاهم اللّه بالصيد يوم الحديبية وهم محرمون للعمرة ، فإنه عليه الصلاة والسّلام كان معتمرا حينئذ مع أصحابه ، فكثر الصيد فيها حتى كان يغشاهم في رحالهم فيتمكنون من صيده أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم ، فنهوا عن صيده ابتلاء واختبارا حتى يتميز المطيع من العاصي . امتحن اللّه هذه الأمة بصيد البر كما امتحن أصحاب السبت بصيد البحر وهو صيد السمك في البحر . واللام في« لَيَبْلُوَنَّكُمُ »لام جواب قسم محذوف ، أي واللّه ليبلونكم ؛ وتجب اللام وإحدى النونين في مثل هذا الجواب . وقوله :« بِشَيْءٍ »متعلق بقوله :« لَيَبْلُوَنَّكُمُ »أي ليختبرنكم بتحريم شيء .
وقوله :« مِنَ الصَّيْدِ »في محل الجر صفة ل « شيء » فيتعلق بمحذوف . ومعنى التقليل والتبعيض في قوله :بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِالتنبيه على أن التكليف بالامتناع عنه ليس كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال بل هو ابتلاء سهل لا صعوبة فيه ولا مشقة ، فإنه تعالى لم يحرم صيد الحلال ولا صيد الحل ولا صيد البحر . والصيد ههنا ليس بمعنى المصدر بل هو بمعنى المصيد كضرب الأمير ، ويدل عليه قوله تعالى :تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْفإن الحدث لا يوصف بأنه تناله الأيدي والرماح ، وإنما يوصف به الأعيان . وقوله :« تَنالُهُ »في محل الجر على أنه صفة ثانية ل « شيء » والصيد وإن كان اسما للمتوحش الممتنع بقوائمه أو بجناحه إلا أن كثرة الصيد ، قد تؤدي إلى أن ينال منه بالأيدي والرماح . قوله : ( ليتميز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر ) جعل العلم مجازا عن تميز المعلوم وظهوره على طريق إطلاق السبب وإرادة المسبب ، لتعذر حمله على أصل معناه من حيث إن علمه تعالى مقتضى ذاته تعالى فيمتنع عليه التجدد والتغير كما يمتنع ذلك على نفس ذاته . واللام في قوله تعالى :« لِيَعْلَمَ »لام كي متعلقة بقوله :« لَيَبْلُوَنَّكُمُ »أي ليبلونكم بذلك ليتميز الخائف من عقابه مما لا يخاف