تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعله سببا يرجى منه الفلاح . ثم قرر ذلك بأن بيّن ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم فقال تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
شرح
من عمل الشيطان كان ذلك شهادة على كونه شرّا محضا . قوله : ( وأمر بالاجتناب ) الأمر بالاجتناب عن عين الشيء أبلغ في تحريمه بالنسبة إلى الأمر بالاجتناب عن الانتفاع به ، فكم من شيء يحرم الانتفاع به مع كونه عينه أمرا مرغوبا فيه . قوله : ( وجعله ) أي وجعل الاجتناب عن عينهما سببا يرجى منه الفلاح ، وذلك يدل على أن عدم الاجتناب سبب يؤدي إلى الردى والهلاك . قوله : ( ثم قرر ذلك ) عطف على قوله : « أكد تحريم الخمر والميسر » . قوله تعالى :( فِي الْخَمْرِ )متعلق بقوله :« يُوقِعَ »وكلمة« فِي »هنا لإفادة معنى السببية ، كما في قوله عليه الصلاة والسّلام : « دخلت امرأة النار في هرة » أي بسبب إيذائها ، فمعنى الآية أنه يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، أي بسبب شربها . ووقوع العداوة بين الفسقة بسبب شرب الخمر مبني على أن الظاهر فيمن شرب الخمر أن يشربها مع جماعة حتى يستأنس بهم ويفرح بالمكالمة معهم ويؤيد ما كان بينهم من المودة والألفة ، إلا أن ذلك ينقلب في الأغلب إلى ضد ذلك لأن الخمر يزيل العقل وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أهل المجلس من الأحباب ، وتلك المنازعة ربما قادت إلى القتل والضرب والمشافهة بالفحش من القول ، وذلك يورث العداوة والبغضاء ؛ فالشيطان يسول لهم أولا أن الاجتماع على الشرب يؤكد الألفة والمحبة ، وينقلب الأمر بالآخرة فتحصل غاية العداوة والبغضاء . وأما وقوع العداوة والبغضاء بين القوم بسبب الميسر فلأن الشيطان يسوّل لهم ابتداء أنه وسيلة إلى التوسعة على الفقراء المحتاجين والدخول في عداد أصحاب المروءة والكرم ، إلا أنه ربما يؤدي بالآخرة إلى ضياع ماله بالكلية ؛ فإن صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه على رجاء أنه ربما صار غالبا فيه ، ويتفق أنه لا يحصل له ذلك فيعاود فيه إلى أن لا يبقى له شيء من ماله فيبقى فقيرا مسكينا ، فيصير بسبب ذلك من أعدى الأعداء لأولئك الذين غلبوا عليه . فظهر بما ذكر أن الخمر والميسر سببان عظيمان لوقوع العداوة والبغضاء بين الناس ، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء من أقبح المفاسد الدنيوية المنافية لصلاح العالم . وأما كون تعاطيهما مؤديا إلى المفاسد الدينية فلأنهما يصدّان متعاطيهما عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، فإن شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في اللذة الجسمانية غفلت عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وكذا من قامر بالميسر إن كان غالبا صار استغراقه في لذة