وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
فيما أمرا به
وَاحْذَرُوا
ما نهيا عنه أو مخالفتهما .
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( 92 ) أي فاعلموا أنكم لم تضرّوا الرسول عليه السّلام بتوليكم فإنما عليه البلاغ وقد أدّى وإنما ضررتم به أنفسكم .
شرح
للسرور مزيلا للغموم ، لم يحرمها اللّه قطعا بمرة واحدة بل حرمها على سبيل التدريج ، وأول ما نزل في شأنها قوله تعالى في سورة البقرةيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ[ الآية : 219 ] حيث يتجرون فيها بيعا وشراء وفيها شيء من المنافع البدنية ، فلما نزلت هذه الآية ترك بعض الناس شربها وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ، وقال بعضهم : نأخذ منفعتها ونترك إثمها ؛ فنزلت :لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى[ النساء : 43 ] فتركها بعضهم وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة ، وشربها بعضهم في غير أوقات الصلاة حتى نزلت هذه الآية فصارت حراما عليهم قطعا وقالوا : انتهينا يا رب عن شربها ؛ وذلك في سنة ثلاث من الهجرة . وروي أن الصحابة قالوا لما نزلت الآية بتحريم الخمر : يا رسول اللّه فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر ؟ فنزل قوله تعالى :لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُواأثنى اللّه عليهم ومدحهم بالتقوى والإحسان ، كأنه قيل : إنهم آمنوا واتقوا ما حرم عليهم من مستلذات المطاعم ومشتهياتها وثبتوا على الإيمان وازدادوا يقينا ، ثم اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك كالخمر واتقوا المكروهات كالفضول وآمنوا بتحريمه ، ثم استمروا على التقوى وتحروا أحسن الأعمال وأفضلها أو أحسنوا إلى الناس وواسوهم بما رزقهم اللّه من الطيبات ؛ لما شرط اللّه تعالى لانتفاء الجناح عمن طعم مستلذات المطاعم حصول التقوى والإيمان فيه مرتين ، وفي المرة الثالثة حصول التقوى والإحسان اتجه أن يقال : ما الحكمة في تكرير اشتراط التقوى والإيمان فيه وعطف أحد المكررين على الآخر بكلمة « ثم » الدالة على التراخي ولا تراخي بين الشيء وبعضه ؟ فأجيب عنه بأن التكرير المذكور للتأكيد ، ويجوز أن يتخلل حرف العطف بين ما كرر للتأكيد كما في قوله تعالى :كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[ التكاثر : 3 ، 4 ] واختار المصنف أنه للتأسيس دون التأكيد ، وقدّر المتعلقات المتغايرة ليحصل اختلاف المعاني ، فحمل قوله تعالى :إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِعلى الاتقاء عن المحرمات التي حرمت قبل نزول آية تحريم الخمر والثبات على الإيمان والأعمال الصالحة ، وحمل قوله :ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُواعلى الاستمرار والثبات على الاتقاء عن جميع المعاصي المحرمة مطلقا و « ثم » للتراخي في الزمن ؛ لأن الاتقاء عما حرم بنزول هذه الآية وكذا الثبات على الاتقاء عن جميع المعاصي المحرمة مطلقا