وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ
وإنما خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود بالبيان . وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه السّلام : « شارب الخمر كعابد الوثن » وخصّ الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصادّ عن الإيمان من حيث إنها عماده والفارق بينه وبين الكفر . ثم أعاد الحثّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
( 91 ) إيذانا بأن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت .
شرح
الغلبة يورث الغفلة عن العبادة وإن صار مغلوبا صارت شدة اهتمامه بأن يحتال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه . قوله : ( وإنما خصهما بإعادة الذكر ) جواب عما يقال من أنه تعالى أمر أولا بالاجتناب عن الأمور الأربعة جميعا ثم اقتصر على ما ذكر ما يوجب الاجتناب عن الخمر والميسر فقط ، فما الحكمة في ذلك ؟ فتقرير الجواب : أن الآية نزلت لنهي المؤمنين عما ألفوه من تعاطي الخمر والميسر ، وليس من شأنهم عبادة الأصنام والاستقسام بالأزلام ، وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيدا لقبح الخمر والميسر وإظهارا لأن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، فلما كان المقصود من الآية نهي المؤمنين عن تناول الخمر والميسر لا جرم أفردهما بالذكر في آخر الآية واقتصر على بيان ما يوجب الاجتناب عنهما ، ولم يتعرض لذكر الأنصاب والأزلام ثانيا إذ ليسا مقصودين بالأمر بالاجتناب عنهما حتى يبين ما يوجب ذلك الاجتناب . قوله : ( وخص الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم ) جواب عما يقال : لم عطفت الصلاة على ذكر اللّه تعالى مع اندراجها فيه ؛ لأن المراد بذكر اللّه العبادة مطلقا أي عبادة كانت ، وسميت ذكر اللّه لكونها مسببة عن ذكر اللّه لأن العابد إنما يلابس العبادة تقربا إلى اللّه تعالى وابتغاء لمرضاته وهربا من سخطه وعقابه ، ومن كان مريدا لصد الناس عن العبادة مطلقا كان مريدا لصدّهم عن الصلاة بخصوصها ، فما الفائدة في عطف الصلاة على ذكر اللّه تعالى بإفرادها ؟ والجواب : أن إفرادها وعطفها على ذكر اللّه على طريق عطف الخاص على العام إظهار لشرفها .
قوله : ( ثم أعاد الحثّ على الانتهاء ) عطف على قوله : « ثم قرر ذلك » أي حرمة الخمر والميسر ، فإن تقرير حرمتهما بمنزلة الحث على الانتهاء عنهما ، وكون الحث المذكور مرتبا على ما تقدم من الصوارف عن تعاطيهما مستفاد من الفاء السببية فإنها تدل على أن هذه الأمور اللازمة لهما توجب الانتهاء عنهما ، فإذا تليت عليكم تلك الأمور فهل أنتم مع استماع هذه الصوارف منتهون أم أنتم ثابتون على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا لغاية الغفلة وقلة الفكرة ؟ وقيل : لما كان الناس مولعين بشرب الخمر لكونه جالبا