تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
في ذلك المكان أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان لمّا رأى كرامة مريم ومنزلتها من اللّه تعالى
قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
كما وهبتها لحنّة العجوز العاقر . وقيل : لما رأى الفاكهة في غير أوانها انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ فسأل وقال : هب لي من لدنك ذرية ، لأنه لم يكن على الوجوه المعتادة وبالأسباب المعهودة .
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ
( 38 ) مجيبه .
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
أي من جنسهم كقولهم : زيد يركب الخيل ، فإن المنادي كان
شرح
لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا[ الأحزاب : 18 ] وأهل نجد يصرفونها فيقولون : هلم هلما هلموا هلمي هلممن . والأول أفصح . قوله : ( في ذلك المكان ) يعني أن « هنا » ظرف مكان واللام للبعد والكاف حرف خطاب وهو وزان ذلك . والمعنى أن زكريا عليه السّلام لما رأى خوارق العادة عند مريم طمع في خرق العادة في حقه بأن يرزقه اللّه الولد من الشيخة العاقرة فدعا في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى من أمر مريم بأنقالَ رَبِّ هَبْ لِيالآية ثم إن كون ما رآه من أمر مريم حاملا للدعاء المذكور له وجهان : الأول أنه استدل بما رآه من أمرها على كرامتها على اللّه تعالى ومنزلتها عنده فرغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللّه تعالى ، وإذا كانت عجوزا عاقرا فقد كانت أختها كذلك . والثاني أنه تنبه لما رأى من أمرها على جواز ولادة العاقر لأن ظهور الفواكه في غير أوانها بمنزلة ولادة العاقر من الشيخ . فأي واحد من الأمرين خطر بباله حمله ذلك على أن يدعو بذلك . ولم يرض المصنف بالاحتمال الثاني استبعادا لكون مشاهدة وقوع الخوارق كرامة لولي سببا لتنبيه النبي لجواز وقوعها معجزة لنبي . قوله : ( إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان ) جوّز حمله على الزمان وهو معنى مجازي « لهنالك » مع جواز حمله على معناه الحقيقي الذي هو المكان تكثيرا للفائدة لأن دعاءه في زمان رؤية ما رآه من أمر مريم عليهاالسّلام يستلزم دعاءه في مكان تلك الرؤية بخلاف الدعاء في ذلك المكان فإنه لا يستلزم الدعاء في ذلك الزمان . قوله : ( أي من جنسهم ) أي وصل إليه النداء من جنس الملائكة دون غيرهم من الأجناس ، فإن حكم الواحد من الجنس قد ينسب إلى الجنس نفسه نحو : فلان يركب الخيل وإنما يركب واحدا من أفراده والخيل والإبل ونحوهما من أسماء الجموع . ويقال : بنو فلان قتلوا زيدا والقاتل واحد منهم ، ومثله في القرآن :الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ[ آل عمران : 173 ] وهم نعيم بن مسعود أن الناس يعني أبا سفيان . والعطف بالفاء في قوله :فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُيؤذن بأن التبشير وقع عقيب الدعاء ، ولفظ الملائكة لما كان جمعا مكسرا جاز في الفعل المسند إليه التذكير باعتبار الجمع والتأنيث باعتبار الجماعة .