روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصف القيامة لأصحابه يوما وبالغ في إنذارهم فرّقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ويجبّوا مذاكيرهم . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم : إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقّا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم ( لا ) وآتي النساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . فنزلت .
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
أي كلوا ما حلّ لكم وطاب مما رزقكم اللّه فيكون
« حَلالًا »
مفعول
« كُلُوا »
و
« مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ »
حالا منه تقدمت عليه لأنه نكرة .
ويجوز أن تكون « من » ابتدائية متعلقة « بكلوا » ويجوز أن تكون مفعولا « لكلوا » و « حلالا » حالا من الموصول أو العائد المحذوف أو صفة لمصدر محذوف . وعلى الوجوه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
هو ما يبدر من المرء بلا قصد
شرح
تجاوز عما حده اللّه وهو القصد بينهما بتحليل الحلال وتحريم الحرام . قوله : ( فرقوا ) أي رقت قلوبهم عند استماع كلامه عليه الصلاة والسّلام . والودك : دسم اللحم ، يقال : دجاجة وديكة أي سمينة . والمسوح : جمع مسح وهو اللباس . والجبّ : القطع . والمذاكير : جمع ذكر بمعنى العضو على خلاف القياس ؛ كأنهم قصدوا الفرق بين الذكر بمعنى العضو وبين ما هو خلاف الأنثى فجمعوا الأول على المذاكير والثاني على الذكور . قوله : ( أي كلوا ما حلّ لكم ) ذكر لانتصاب « حلالا » ثلاثة أوجه ، الأول : أن يكون مفعول « كلوا » أي كلوا شيئا حلالا ؛ وعلى هذا الوجه يكونمِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُإما حالا من المفعول متعلقا بمحذوف وتكون « من » فيه تبعيضية » ، أو ظرفا لغوا ل « كلوا » متعلقا به ، وتكون « من » فيه ابتدائية ، أي ابتدئوا أكلكم الحلال من الذي رزقكم اللّه . والثاني : أن يكونمِمَّا رَزَقَكُمُمفعولا وحَلالًاحالا من الموصول ، أو العائد المحذوف ، أو صفة مصدر محذوف ؛ أي أكلا حلالا . وفيه تجوز ؛ لأن الشائع المتبادر إلى الفهم وصف المأكول دون الأكل . ولما لم يسم الحرام رزقا عند المعتزلة احتج عليهم بأنه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة . قوله تعالى :( وَاتَّقُوا اللَّهَ )تأكيد للوصية بما أمر به ، فإن قوله تعالى : « كلوا حلالا » وإن كان المراد به ههنا الإباحة والتحليل إلا أنه إنما أباح أكل الحلال ، فيفيد تحريم ضده ، فأكد التحريم المستفاد منه بقوله :وَاتَّقُوا اللَّهَوزاده تأكيدا بقوله :الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَفإن الإيمان به يوجب التقوى بالانتهاء عما نهى عنه وعدم التجاوز عما حدّ له .