فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا
أي عن اعتقاد من قولك : هذا قول فلان أي معتقده .
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ
( 85 ) الذين أحسنوا النظر والعمل ، أو الذين اعتادوا الإحسان في الأمور . والآيات الأربع روي أنها نزلت في النجاسي وأصحابه بعث إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكتابه فقرأه ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فبكوا وآمنوا بالقرآن . وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلا من قومه وفدوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأ عليهم سورة يس فبكوا وآمنوا .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 86 ) عطف التكذيب بآيات اللّه على الكفر وهو ضرب منه لأن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدّقين بها جمعا بين الترغيب والترهيب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
أي ما طاب ولذّ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهّبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإفراط في ذلك والاعتداء عما حدّ اللّه بجعل الحلال حراما فقال :
وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
( 87 ) ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرّم داعية إلى القصد بينهما .
شرح
قوله : ( أي عن اعتقاد ) جواب عما يقال : ظاهر قوله :بِما قالُوايقتضي أنهم استحقوا الثواب بمجرد القول ، وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب . فأجاب بأن المراد القول الصادر عن اعتقاد بدليل قوله :مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّإلا أن في تقديره نوع تدافع ؛ لأن قوله : « أي معتقده » يشعر بأن القول مجاز عن المذهب والمعتقد وإن كان المقصود حاصلا على كلي التقديرين ، وهو بيان أن الإثابة ليست بمجرد القول .
قوله : ( والاعتداء عما حدّ اللّه بجعل الحلال حراما ) فسر الاعتداء بوجهين ، الأول :
التجاوز والإعراض عن تحديد اللّه تعالى وتبيينه بأن ينصب من عند نفسه حدّا على حده بتحريم الحلال مثلا . والثاني : التجاوز عما أحلّه اللّه تعالى إلى ما حرمه ، كأنه قيل : لما أحل لكم الطيبات اكتفوا بها ولا تعتدوها إلى ما حرم عليكم من الإسراف ونحوه ، فإن الإسراف تجاوز إلى الحرام كتناول المحرمات . وعلى التقديرين يكون الاعتداء بمعنى المجاوزة ، وقد يستعمل بمعنى الظلم . ولما كان مناسبة قوله : « ولا تعتدوا » لقوله : « لا تحرموا » ظاهرة على التفسير الأول سكت عن التصريح بمناسبته له على التفسير الأول وصرح بها على التفسير الثاني حيث قال : « فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل » فإن تحريم الحلال وتحليل الحرام