من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها .
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
« من » الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا ، أو للتبعيض فإنه بعض الحق . والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله ؟
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا
بذلك أو بمحمد .
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( 83 ) من الذين شهدوا بأنه حق أو بنبوّته أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة .
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
( 84 ) استفهام إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام الداعي وهو الطمع في الانخراط مع الصالحين والدخول في مداخلهم ، أو جواب سائل قال : لم آمنتم ولا نؤمن ؟ حال من الضمير والعامل ما في اللام من معنى الفعل أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين باللّه ؟ أي بوحدانيته ، فإنهم كانوا مثلثين أو بكتابه ورسوله فإن الإيمان بهما إيمان به حقيقة ، وذكره توطئة وتعظيما ، و « نطمع » عطف على « نؤمن » أو خبر محذوف ، والواو للحال أي ونحن نطمع والعامل فيها عامل الأولى مقيدا بها أو نؤمن .
شرح
إسناد مجازي ، كما في جرى النهر وسال الميزاب للمبالغة في وصفهم بالبكاء ، أي تراهم يبكون حتى يظن أن أعينهم تفيض أي تسيل بأنفسها . و « من الدمع » متعلق ب « تفيض » و « من » لابتداء الغاية ، والمعنى : تفيض من كثرة الدمع . و « الرؤية » في قوله : « ترى » بصرية ، و « تفيض » حال من المفعول . قوله : ( من الأولى للابتداء ) أي كلمة « من » في قوله :مِمَّا عَرَفُواللابتداء متعلق بمحذوف على أنه حال من الدمع ، أي في حال كونه ناشئا ومبتدئا من معرفة الحق وكائن من أجله وسببه ، ولا يجوز أن تكون متعلقة ب « تفيض » لئلا يلزم تعلق حرفين متحدين لفظا ومعنى بعامل واحد ، فإن « من » في « من الدمع » لابتداء الغاية كما مر ، و « من » في « من الحق » لبيان الموصول في قوله :مِمَّا عَرَفُواويحتمل أن تكون للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم وأثر فيهم فكيف إذا عرفوا كله . قوله تعالى :( يَقُولُونَ )مستأنف لا محل له . أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم يقولون هذه المقالة الحسنة ، وتمام مقالتهم قوله :وَما لَنا لا نُؤْمِنُالآية ، على أنه استفهام إنكار . وكلمة « ما » استفهامية في محل الرفع على الابتداء ، و « لنا » خبره أي أيّ شيء استقر لنا غير مؤمنين . وقوله : « لا نؤمن » جملة حالية معمولة للاستقرار الذي تضمنه قوله : « لنا » وقوله : « وما جاءنا » في محل الجر عطفا على الجلالة ، أي باللّه وبما جاءنا ؛ وعلى هذا فقوله : « من الحق » فيه احتمالان ، أحدهما :
أنه حال من فاعل « جاءنا » متعلق بمحذوف ، أي جاءنا في حال كونه من جنس الحق .
والثاني : أن تكون من لابتداء الغاية متعلقة ب « جاءنا » ويكون المراد بالحق الباري تعالى .