وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
عطف على
« لا يَسْتَكْبِرُونَ »
وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه . والفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة ، أو جعلت أعينهم
شرح
شيء قدمت لهم أنفسهم ، وقوله : « أن سخط اللّه عليهم » بدل من الشيء المحذوف ، وهذا مذهب سيبويه في مثله . وتعليل كون النصارى أقرب مودة للذين آمنوا بقلة حرصهم على الدنيا يدل على أن كون اليهود والمشركين أشد عداوة لهم إنما هو لشدة حرصهم على الدنيا ، قال اللّه تعالى في حق اليهود :وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ[ البقرة : 96 ] والمشركون المنكرون للمعاد قريب من اليهود في الحرص الذي هو معدن الأخلاق الذميمة ، فإنّ من كان حريصا على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بسبب طلب الدنيا ، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال جاها أو مالا . وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع ، وكل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له ، فهذا هو مدار الفرق بين الفريقين وهو المراد بقوله تعالى :ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَومن المعلوم أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود ، ومع ذلك لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرّفهم اللّه تعالى بقوله :وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارىوأما اليهود . فمع أن كفرهم أخفّ من كفر النصارى طردهم اللّه وخصهم بمزيد اللعنة ، وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا ؛ ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسّلام : « حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » . وقوله تعالى :وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَمعطوف على « أن » المجرورة بالباء في قوله :بِأَنَّ مِنْهُمْأي ذلك بما تقدم وبأنهم لا يستكبرون . والقسّ : تتبع الشيء وطلبه ، والقسّ أيضا : رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم ، قال قطرب : القسيس العالم بلغة الروم ، والرهبان جمع راهب مثل فارس وفرسان وراكب وركبان ، وأصله من الرهبة بمعنى المخافة ، أو من الترهب وهو التعبد مع الرهبة في موضعه ؛ روي عن عروة بن الزبير أنه قال : « ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الدين والحق وكان اسمه قسيسا ، فمن كان على دينه فهو قسيس » . قوله : ( فوضع موضع الامتلاء ) جواب عما يقال : كيف أسند الفيض والانصباب إلى العين والحال أن الفائض إنما هو دموع الأعين لا أنفسها ؟ وأجاب عنه بوجهين ، الأول : أن المراد امتلاء أعينهم ، إلا أنه وضع الفيضان والسيلان موضع الامتلاء على طريق وضع المسبب موضع السبب للمبالغة في السببية حتى كأن الامتلاء عين الفيضان ؛ فلذلك عبر عنه به . والثاني : أن إسناد الفيض إلى الأعين