قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ
أي غلّوّا باطلا فترفعوا عيسى إلى أن تدّعوا له الإلهية أو تضعوه فتزعموا أنه لغير رشدة . وقيل : الخطاب للنصارى خاصة .
وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ
يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في شريعتهم
وَأَضَلُّوا كَثِيراً
شايعهم على بدعهم وضلالهم
وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
( 77 ) عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثه صلّى اللّه عليه وسلّم لما كذبوه وبغوا عليه . وقيل : الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل ، والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع .
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
أي لعنهم اللّه في الزبور والإنجيل على لسانهما . وقيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت لعنهم داود فمسخهم اللّه تعالى قردة ، وأصحاب المائدة لما كفروا دعا عليهم عيسى عليه السّلام ولعنهم فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل .
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
( 78 ) أي ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرّم عليهم .
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
أي لا ينهى بعضهم بعضا عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له ، أو لا
شرح
ذاته . وقوله : « وتنبيها » عطف عليه ، أي تنبيها على أنه من جنس ما لا يعقل ، فتكون حقيقة ما لا يعقل حقيقة مشتركة بين عيسى وغيره وأنه عليه الصلاة والسّلام واحد من آحاد تلك الحقيقة ، ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية لأن من كان له حقيقة يشارك بها غيره لا بد أن يكون له ما يتميز به عن غيره فيتركب مما به الاشتراك وما به الامتياز ، والتركيب ينافي الألوهية .
لما ذكر ما تخيل كل واحد من اليهود والنصارى على حدة وذكر بطلانه وفساده خاطب مجموع الفريقين بقوله :يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْأي لا تتجاوزوا الحد ، والغلوّ نقيض التقصير . قوله : ( غلوّا باطلا ) إشارة إلى أن قوله : « غير الحق » نعت لمصدر محذوف ، أي لا تغلوا في دينكم غلوّا غير الحق ، أو غلوّا باطلا ، ويحتمل أن يكون حالا من « دينكم » أي لا تغلوا فيه وهو مغايرة للحق .
قوله : ( وقيل الخطاب للنصارى خاصة ) عطف من حيث المعنى . قوله : ( أي لا ينهى بعضهم بعضا ) على أن يكون التناهي تفاعلا من النهي ، وقوله : ( أو لا ينتهون ) على أن يكون بمعنى الانتهاء ، يقال انتهى عن الأمر وتناهى عن الأمر إذا امتنع عنه وكف . ولما ورد