تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أي ما هو إلا رسول كالرسل قبله خصّه اللّه بآيات كما خصّهم بها فإن أحيى الموتى على يده فقد أحيى العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى عليه السّلام وهو أعجب ، وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم وهو أغرب .
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدّقن الأنبياء .
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
ويفتقران إليه افتقار الحيوانات . بيّن أوّلا أقصى ما لهما من الكمال ودل على أنه لا يوجب لهما ألوهيّة لأن كثيرا من الناس يشاركهما في مثله ثم نبّه على نقصهما وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات الكائنة الفاسدة ، ثم عجب ممن يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة فقال :
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
( 75 ) كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله . و « ثم » لتفاوت ما بين العجبين أي إنّ بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب .
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
يعني أن عيسى وإن ملك ذلك بتمليك اللّه إياه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضرّ اللّه تعالى به من البلايا والمصائب وما ينفع به من الصحة والسعة . وإنما قال : « ما » نظرا إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأسا وتنبيها على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية . وإنما قدم « الضرّ » لأن التحرّز عنه أهم من تحرّي النفع .
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 76 ) بالأقوال والعقائد فيجازي عليهما إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
شرح
ليفرع عليه قوله : « فلذلك » أي وللتنبيه المذكور . والهمزة في قوله تعالى :أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِفيها تعجيب على إصرارهم وتحضيض على التوبة ، والظاهر أن الفاء ههنا لا تستدعي تقديم المعطوف على المعطوف عليه بل هي عاطفة على ما سبق من تقرير كفرهم والتهديد عليه ، كما أشار إليه المصنف بقوله : « بعد هذا التقرير والتهديد » فإن هذا المعنى مستفاد من الفاء العاطفة الدالة على التعقيب . وتخللت الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لقصد التعجيب . قوله : ( يلازمن الصدق ) أي صدق الأفعال والأقوال في المعاملة مع الخلق ، وصدق الأفعال والأقوال في المعاملة مع الخالق لا يصدر منهن ما يكذب دعوى العبودية والطاعة ، فإن من كان مجتهدا في إقامة وظائف العبودية وملازمة الإثابة والطاعة يسمى صديقا . قوله : ( وإنما قال ما ) أي قال ما في حق من يعقل مع أن أصله أن يطلق على غير العاقل نظرا إلى ما هو عليه في ذاته ، فإنه عليه الصلاة والسّلام في أول أحواله لا يوصف بعقل ولا بشيء من الفضائل فكيف يكون إلها . قوله : ( توطئة ) علة للنظر إلى ما هو عليه في