وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ
أي وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب أن لا تكون بالرفع على أن « أن » هي المخففة من الثقيلة وأصله أنه لا تكون فتنة فخففت « أن » وحذف ضمير الشأن ، وإدخال فعل الحسبان عليها وهي للتحقيق تنزيل له منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم . و « أنّ » أو « أن » بما في حيزها ساد مسد مفعوليه .
فَعَمُوا
عن الدين أو الدلائل والهدى .
وَصَمُّوا
عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل
ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
أي ثم تابوا فتاب اللّه عليهم
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا
مرّة أخرى . وقرىء بالضم
شرح
قوله : ( وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب أن لا تكون بالرفع ) أي برفع النون والباقون بنصبها ، فمن رفعها جعل كلمة « أن » مخففة من الثقيلة وجعل اسمها ضمير الشأن المحذوف ، والتقدير : وحسبوا أنه لا تكون فتنة ، على أن كلمة « لا » نافية وتكون تامة ، و « فتنة » فاعلها ، والجملة الفعلية المنفية خبر « أن » ومفسرة لضمير الشأن ؛ فعلى هذا يكون الحسبان بمعنى العلم واليقين لا الظن والطمع ؛ لأن « أن » المخففة من الثقيلة لكونها للتأكيد والتحقيق كالثقيلة لا تقع إلا بعد فعل يدل على التحقيق والثبات نحو العلم واليقين والنبيين ، كما أنّ « أن » الناصبة للفعل المضارع لا تقع إلا بعد أفعال الشك والتردد ، وأما الأفعال التي تحتمل الشك واليقين فإنه يجوز أن تقع بعدها « أن » الناصبة دون المخففة من الثقيلة ويرفع ما بعدها ، وإن جعلت للشك تجعل ناصبة وينصب ما بعدها . والآية الكريمة من هذا الباب ، فمن رفع الفعل بعدها جعل فعل الحسبان لليقين لكون القوم جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ومن جعل فعل الحسبان على ظاهره وقال إن القوم كانوا يكذبون ويقتلون خوفا من زوال الجاه وتفرق الأتباع وكانوا يعتقدون أن ما فعلوه من التكذيب والقتل خطأ ومعصية فلا يأمنون من أن تصيبهم فتنة بسبب ذلك لكنهم يظنون أنه يندفع عنهم ما استحقوا من العذاب بسبب شرف أسلافهم . قوله : ( وأنّ أو أن بما في حيزها ) يعني أن أنّ الناصبة أو أن المخففة بما في حيزها جملة قامت مقام مفعولي « حسبوا » أي حسبوا الفتنة غير نازلة بهم عند جمهور البصريين ، وقال أبو الحسن : قائمة مقام المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف ، والتقدير : حسبوا عدم الفتنة كائنا أو حاصلا . قوله : ( فعموا عن الدين ) عطفه بالفاء على« حَسِبُوا »للدلالة على أن الحسبان المؤدي إلى تكذيب الرسل وقتلهم كان سببا قريبا لرين قلوبهم وعدم إبصارهم الحق ولقبح ما صنعوا وعدم استماع المواعظ والزواجر عما ارتكبوه من المعاصي ؛ عبر عن جهلهم بالحق وكفرهم به بالعمى والصمم لكونه أبلغ في الدلالة على بعدهم من الحق وعدم قبولهم إياه بوجه ما .
قوله تعالى :( ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا )دل على أن عماهم عن الحق وعدم إبصارهم إياه