مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها .
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
شدّد الفاء حمزة والكسائيّ وعاصم وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو اللّه تعالى وزكريا مفعول أي جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها ، وخفّف الباقون ومدّوا زكرياء مرفوعا .
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ
أي الغرفة التي بنيت لها أو المسجد أو أشرف مواضعه ومقدّمها سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس .
وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
جواب كلما وناصبه . روي أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس .
قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا
من أين لك هذا الرزق الآتي في غير
شرح
قوله : ( مجاز عن تربيتها ) أي استعارة تمثيلية فإنه تعالى شبه حاله في حسن تربيتها ونفعها بما يصلح في جميع الأوقات بحال الزراع مع زرعه فإنه لا يزال يتعهد زرعه ويسقيه ويحميه من الآفات ويقلع عنه ما عسى ينبت فيه مما يضر صلاحه وكماله فأطلق اسم المشبه به على المشبه ثم اشتق منه . قوله : ( وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش ) فإن ابن عياش روى عنه عاصم مد « زكرياء » منصوبا على أنه مفعول ثان « لكفل » فإنه تعدى بالتضعيف إلى اثنين أي ضمنها اللّه زكرياء وضمها إليه بالقرعة . قال الإمام محيي السنة ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم « زكريا » مقصورا والآخرون يمدون . يقال : كفل يكفل كفالة وكفلا فهو كافل وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه . وفي الحديث : « أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين » . وقال تعالى :أَكْفِلْنِيها[ ص : 23 ] .
قوله : ( أي الغرفة التي بنيت لها ) قيل : لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا واسترضع لها . وقيل : ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليه إلا بالسلم مثل باب الكعبة ولا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم . قال الأصمعي : المحراب الغرفة استدلالا بقوله تعالى :إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ[ ص : 21 ] والتسور لا يكون إلا من علو يقال :
تسور الحائط إذا استعلاه . وقال الزجاج : المحراب أشرف المجالس ومقدمها وقيل : كانت المساجد عندهم تسمى المحاريب والمحراب مفعال من الحرب لأنه يحارب فيه الشيطان وهو في اللغة اسم للموضع العالي الشريف . وقال الحسن : حين ولدت مريم لم تلتقم ثديا قط وكان يأتيها رزقها من الجنة فقال لها زكريا :أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِفتكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى عليه الصلاة والسّلام حال صغره . قوله : ( من أين لك هذا الرزق )