وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
بإذاعة ما فيهما من نعت محمد عليه الصلاة والسّلام والقيام بأحكامهما .
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ
يعني سائر الكتب المنزلة فإنها من حيث إنهم مكلفون بالإيمان بها كالمنزل إليهم أو القرآن .
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض أو يكثر ثمرة الأشجار وغلّة الزروع أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنونها من رأس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض بين بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا لقصور الفيض ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين .
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ
عادلة غير غالية ولا مقصرة وهم الذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : مقتصدة متوسطة في عداوته .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
( 66 ) أي بئس ما يعملونه وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم وهو المعاندة وتحريف الحق والإعراض عنه أو الإفراط في العداوة .
شرح
الإيمان وحده يجبّ ما قبله حتى أن من آمن ومات عقيبه يكفر عنه سيئاته الماضية فلا يؤاخذ بشيء منها ويدخل الجنة مع المؤمنين ، فما وجه الجمع بين هذه الآية وإجماع الأمة ؟ أجيب عنه : بأن الميت المذكور وإن مات عقيب الإيمان فهو جامع بين الإيمان والتقوى حيث اتقى المعاصي وأتى بما وجب عليه من الطاعات التي أدرك وقتها ، فإن الإيمان المكفّر هو الإيمان الذي يباشره المكلف لغرض التقوى والطاعة لا لغرض آخر من الأغراض العاجلة كإيمان المنافقين . والمصنف أشار إلى هذا الجواب بقوله : « وإن الإسلام يجبّ ما قبله » بدل قوله :
« والإيمان يجبّ » فإنه يدل على أن الإيمان المنجّى هو الإيمان المقرون بالتقوى والاستسلام لأحكام الشريعة . روي عن الحسن البصري أنه اجتمع مع الفرزدق في جنازة ، فقال له الحسن : ما أعددت لهذا المقام ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ كذا كذا سنة وأشعر أن الإيمان المجرد عن التقوى يؤدي إلى الظفر بسعادة الآخرة ، فقال الحسن : هذا العمود ، وأين الأطناب ؟ شبّه الإسلام بالخيمة المضروبة وجعل عمودها كلمة الشهادة التي هي أصل الدين ، وشبّه اجتناب المعاصي والمواظبة على الطاعة بالأطناب ؛ وكما أن الخيمة لا ينتفع بها بمجرد عمودها بدون الأطناب فكذا الإقرار باللسان لا ينجي بدون التقوى والطاعة ، فإن تركها معصية تورث قساوة القلب وتؤدي إلى زوال أصل الإيمان .
قوله : ( أو يكثر ثمرة الأشجار ) فإنهم يبتدئون أكل ثمار الأشجار من فوقهم كما يبتدئون أكل غلة الزروع من تحتهم ، ويحتمل أن يكون المأكول من الجانبين ثمار الأشجار يأكلون ما عليها من فوقهم وما تساقط منها على الأرض من تحتهم . واليانعة : النضيجة ،