يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
جميع ما أنزل إليك غير مراقب أحد أو لا خائف مكروها
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك
فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
فما أديت شيئا منها لأن كتمان بعضها يضيّع ما أدّي منها كترك بعض أركان الصلاة ، فإن غرض الدعوة ينتقض به . أو فكأنك ما بلغت شيئا منها كقوله :
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[ المائدة : 32 ] من حيث إن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة واستجلاب العقاب . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر « رسالاته » بالجمع وكسر التاء .
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
عدة وضمان من اللّه بعصمة روحه من تعرّض الأعادي وإزاحة لمعاذيره .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
( 67 ) لا يمكنهم مما يريدون بك . وعن
شرح
يقال : أينع الثمر إذا نضج . قوله : ( لأن كتمان بعضها يضيع ما أدّي منها كترك بعض أركان الصلاة ) قيل : عليه قياس عدم تبليغ بعض المنزل بترك بعض أركان الصلاة محل بحث ؛ لأن الصلاة عبادة واحدة اعتبرها الشارع أمرا واحدا مركبا من أمور مخصوصة ، فيلزم من انتفاء ركن واحد من الأركان انتفاء الكل ؛ وليس الأمر كذلك في جملة التبليغات إذ ليس لها وحدة في اعتبار الشارع حتى يقال انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل ويكون كتمان بعضها تضييعا لما أدي منها فلم يكن أداؤه مؤديا إلى امتثال أمره . والظاهر أن السؤال ساقط ، والقياس صحيح لأن المكلف بأداء الصلاة مأمور بتحصيل صورة الصلاة وهي لا تحصل إلا بأداء جميع أركانها ، فإذا ترك ركنا من أركانها لم يكن أداء الأركان الباقية معتبرا حيث لم يكن أداؤها مؤديا إلى حصول صورة الصلاة ، فكذا المكلف بتبليغ الرسالة مأمور بتبليغ جميع المرسل به وإن لم يبلغ شيئا منه لا يكون ممتثلا لأمر المرسل ، فلا يعتبر تبليغ الباقي حيث لم يحصل به الامتثال لأمر المرسل ، فيكون المأمور بالتبليغ بترك شيء من التبليغات بمنزلة من لم يبلغ شيئا أصلا من حيث إنه خالف أمر المرسل : وبهذا التوجيه سقط ما يتوهم من اتحاد الشرط والجزاء في قوله تعالى :وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْمابَلَّغْتَ رِسالَتَهُفإنه في قوة أن يقال : فإن لم تفعل لم تفعل ، أو : وإن لم تبلغ لم تبلغ ؛ وذلك لأن تقدير الكلام :
فإن لم تبلغ جميعه فما أديت رسالته . قوله : ( عدة وضمان من اللّه بعصمة روحه ) إشارة إلى وجه الجمع بين هذه الآية وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسّلام قد شجّ وجهه وكسرت رباعيته يوم أحد وأطعم شاة مسمومة وأوذي من جهة الناس بضروب من الأذى ، فلما قيل :
المراد بعصمته عصمته من القتل بأيدي الناس ومما يمنعه من القيام بمقتضى الرسالة ، حصل التوفيق بينهما . وفيه تنبيه على أنه عليه الصلاة والسّلام يجب أن يتحمل في تبليغ الرسالة من أنواع البلايا أشد من تكليف سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام . وقيل في وجه التوفيق : إن هذه الآية نزلت بعد ما شجّ رأسه يوم أحد ؛ لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن .