اليد مبالغة في الرد ونفى البخل عنه تعالى وإثباتا لغاية الجود فإن غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطيه بيديه وتنبيها على منح الدنيا والآخرة وعلى ما يعطي للاستدراج وما يعطي للإكرام .
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
تأكيد لذلك أي هو مختار في إنفاقه يوسّع تارة ويضيق أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته ، لا على تعاقب سعة وضيق في ذات
شرح
ثم إن اليهود لما وصفوا اللّه بالبخل حيث قالوا : « يد اللّه مغلولة » أجيبوا بأن قيل :
بل يداه مبسوطتان ، على معنى أنه ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل بل هو جار على سبيل الكمال ، فإن من أعطى بيد واحدة يوصف بالجواد فكيف من أعطى باليدين .
قوله : ( وتنبيها على منح الدنيا والآخرة ) أي تنبيها على أن يكون المراد بيد اللّه نعمته ، فإنه ورد في القرآن آيات دالة على ثبوت اليد للّه تعالى ذكر اليد في بعضها بلا عدد ، كما في قوله تعالى :يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[ الفتح : 10 ] وفي بعضها ذكر اليدين كما في هذه الآية ، وفي قوله تعالى لإبليس :ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ ص : 75 ] وفي بعضها ذكر الأيدي بلفظ الجمع كما في قوله :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً[ يس : 71 ] فهي من المتشابهات . والمؤمنون فريقان ، الفريق الأول : ذهبوا إلى أن القرآن لما دل على ثبوت اليد للّه تعالى آمنّا به على مراد اللّه تعالى ولم نقطع أن المراد باليد ما هو بل نفوّض معرفة المراد منها إلى اللّه تعالى مع القطع بأن يد اللّه ليست عبارة عن العضو الجسماني لقيام البراهين القاطعة على استحالة ذلك في حقه تعالى ، وهذه طريقة السلف فإنهم يقفون على قوله تعالى :وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُثم يبتدئون بقوله :وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا[ آل عمران : 7 ] والفريق الثاني وهم المتكلمون ، قالوا :
اليد تذكر في اللغة على وجوه أحدها : الجارحة الجسمانية ، وثانيها : النعمة ، تقول : فلان له عليّ يد أشكره عليها ، وثالثها : القوة ، قال اللّه تعالى :أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ[ ص : 45 ] فسروه بذوي القوة والعقول ، ورابعها : الملك ، يقال : هذا الأمر في يد فلان أي في ملكه ، قال اللّه تعالى :بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ[ البقرة : 237 ] أي يملك ذلك ، وخامسها : العناية والاختصاص ، قال اللّه تعالى :لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ ص : 75 ] والمراد تخصيص آدم عليه السّلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات ، إلا أنه خلق آدم على الوجه الخارق لعادة اللّه تعالى دلالة على كمال قدرته وحكمته . ثم قالوا : اليد في حقه تعالى يمتنع أن تكون عبارة عن العضو الجسماني فيقطع بأن ليس المراد به ذلك ، بخلاف المعاني الباقية فإن كل واحد منها يصح أن يراد بلفظ اليد في حقه تعالى على حسب اقتضاء المقام ومناسبته .