تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
حيث اللفظ وملاحظة الأصل كقولك : سبّني سبّ اللّه دابره
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
ثنى
شرح
ولعنوا » ولا بد من تحقق الطباق بينهما وإلا تنافر الكلام وزال عن سننه ؛ والطباق من الصنائع البديعية والمحسنات المعنوية ، وهي عبارة عن الجمع بين المتضادين أي المعنيين المتقابلين في الجملة كما في قوله تعالى :وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ[ الكهف : 18 ] وقوله :تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ[ آل عمران : 26 ] وقوله :أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ[ الأنعام : 122 ] وللطباق ضروب ووجوه كثيرة فصلت في علم البديع ؟ وتقرير الجواب : أن الطباق بينهما متحقق سواء جعلوا غل اليد مجازا عن البخل أو عن الفقر والعدم ؛ وذلك لأنهم لما قالوا :« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »بأحد المعنيين دعا اللّه تعالى عليهم بقوله :غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواولذلك كانوا أبخل الناس من خلق اللّه وأنكدهم ، فإنهم وإن جمعوا أموالا عظيمة تراهم بخلاء لئاما خلوا عن الكرم والمروءة لشدة حرصهم على الدنيا ؛ فإن الغنى لا يكون بكثرة العرض وإنما الغنى غنى القلب ؛ علمنا اللّه أن ندعو عليهم بهذا ونقول في حقهم : أمسكت أيديهم عن الخيرات أو صاروا فقراء أذلاء ملعونين بأن مسخهم اللّه قردة وخنازير وضرب عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وجعلهم مخلدين في نار جهنم في العقبى ، فتحققت المطابقة بينه وبين قولهم : « يد اللّه مغلولة » من حيث اللفظ والمعنى لا من حيث اللفظ فقط ، سواء جعل غل اللّه مجازا عن البخل أو عن الفقر والعدم ؛ وذلك بخلاف قول الشاعر :قلت اطبخوا لي جبة وقميصافإن المطابقة فيه ليست إلا من حيث اللفظ ، إذ لا مطابقة بين الطبخ والخياطة من حيث المعنى . وإن كان قوله تعالى :غُلَّتْ أَيْدِيهِمْمعناه شد أيديهم إلى أعناقهم حقيقة بأن يغلوا أسارى في الدنيا ويسحبوا في العقبى إلى النار ، وتكون المطابقة بينهما من حيث اللفظ للمطابقة بين الغل الحقيقي المذكور في قولهم : « يد اللّه مغلولة » لفظا وهو ظاهر ومن حيث ملاحظة المعنى الأصلي ، أي أصل المجاز وهو الحقيقة ، فإن الغل المذكور في الدعاء وإن كان محمولا على الغل الحقيقي ولا مطابقة بينه وبين الغل المجاز المذكور في قول اليهود إلا أن بينهما مطابقة من حيث كون المعنى الحقيقي ملحوظا في قولهم : « يد اللّه مغلولة » غاية ما في الباب أن لا يكون بناء على تحقيق الصارف عن إرادته ونظيره قوله : « سبّني سبّ اللّه دابره » فإن السبّ المذكور في الدعاء هو السب الحقيقي وهو القطع ، والسب المذكور قبله سبّ مجازي وهو الشتم فإنه يسمى سبّا لقطع المودة ، فتحصل المطابقة بين السب الحقيقي المذكور في الدعاء والسب المجازي المذكور قبله من حيث اللفظ ، ومن حيث كون المعنى الأصلي ملحوظا في السب المجازي لا تنافر بين الكلامين بل هما مطابقان .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 551 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين