تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
أي هو ممسك يقتر بالرزق وغلّ اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغلّ أو بسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله :
جاد الحمى بسط اليدين بوابل * شكرت نداه تلاعه ووهاده
ونظيره من المجازات المركبة : شابت لمّة الليل . وقيل : معناه أنه فقير كقوله تعالى :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
[ آل عمران : 181 ]
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا
دعاء عليهم بالبخل والنكد ، أو بالفقر والمسكنة ، أو بغل الأيدي حقيقة يغلّون أسارى في الدنيا ومسحبين إلى النار في الآخرة . فتكون المطابقة من
شرح
بقوله : « لبئس ما كانوا يصنعون » للدلالة على أن العلماء التاركين للنهي عنه أسوأ حالا وأشد ذنبا بالنسبة إلى من يرتكبه ؛ وذلك لأن الصنع أقوى من العمل ، فإن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرّا راسخا متمكنا ، فجعل ذنب العاملين ذنبا غير راسخ حيث عبر عنه بالعمل ، وجعل ذنب العلماء التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا متمكنا فيهم حيث عبر عن ذلك الترك بالصنع . والأمر في الحقيقة كذلك ؛ لأن المعصية مرض الروح وعلاجه الذي يدفعه عن المكلف إنما هو علمه بكبريائه وعظمة جلاله وعزته ، ومن حصل له هذا العلم ولم يرتدع عن المعصية ولم ينه العصاة عن ارتكابها كان كالمريض الذي عولج بالأدوية المزيلة لآثار المرض ولم يحصل له البرء والشفاء بذلك ، ولا شك مثل هذا المرض يكون شديدا صعبا لا يكاد يزول ، وكذا العالم باللّه وبصفات جلاله وعظمته إذا لم يغيّر ما رآه من المنكر ولم ينه عنه كان مرض روحه قويّا شديدا حيث لم يزل مرضه بالعلاج ولم ينتفع به ؛ فلذلك كان ذم تاركي النهي عن المنكر أبلغ من ذم مرتكبه حيث عبر عن ذنب المرتكب بالعمل وعن ذنب تارك النهي بالصنع ؛ لأن العمل للإنسان إنما يسمى صنعا إذا وقع بعد تدرب وهو الاعتياد وتروّ وهو التفكر من الرويّة وتحرّي إجادة أي قصد جعله ذلك العمل جيدا . عن الحسن أنه قال : الربانيون علماء أهل الإنجيل ، والأحبار علماء أهل التوراة . وقال غيره : كلاهما علماء اليهود وفقهاؤهم لكونهما مذكورين متصلين بذكر أحوال اليهود . قوله : ( وقيل معناه أنه فقير كقوله إن اللّه فقير ونحن أغنياء ) قالوا ذلك حين نزل قوله تعالى :مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً[ البقرة : 245 ] وقالوا : لولا أنه فقير لما استقرض من عباده . قوله : ( دعاء عليهم بالبخل والنكد أو بالفقر والمسكنة أو بغلّ الأيدي حقيقة ) جواب عما قيل : قد مر أن قول اليهود « مغلولة » مجازا ما عن البخل والإمساك ، وإما عن الفقر وقلة ذات اليد ، فما وجه الطباق بينه وبين قوله تعالى في قولهم : « غلت أيديهم