يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ
نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث أظهرا الإسلام ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما . وقد رتب النهي عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزؤا ولعبا إيماء العلة وتنبيها على أن من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة وفضل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار على قراءة من جرّه وهم أبو عمرو والكسائي ويعقوب والكفار وإن عمّ أهل الكتاب يطلق على المشركين خاصة لتضاعف كفرهم . ومن نصبه عطفه على « الذين » اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرّفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
بترك المناهي
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
( 57 ) لأن الإيمان حقّا يقتضي ذلك . وقيل : إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده .
وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً
أي اتخذوا الصلاة أو المناداة . وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة . روي أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن
شرح
عطفا على الموصول المجرور في قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب ، ومنصوب في قراءة الباقين عطفا على الموصول الأول ، أي : لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء ، والمعنى على قراءتهما أنه تعالى نهاهم أن يتخذوا المستهزئين أولياء وبين أنهم صنفان : أهل الكتاب وعبدة الأصنام والأوثان ، فإن اسم الكفار غالب في عبدة الأوثان كما أن أهل الكتاب غالب في اليهود والنصارى . قوله : ( والكفار وإن عمّ ) جواب عما يقال : كيف عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن العطف يقتضي التغاير والتمايز بين المتعاطفين ، ولا تغاير بين الكفار وأهل الكتاب كما صرح به قوله تعالى :لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ[ البينة : 1 ] ولما كان الكفار متناولا لأهل الكتاب وغيرهم كيف صح جعله قسيما لأهل الكتاب وعطفه عليهم ؟ وتقرير الجواب : نعم إن الأمر كذلك ، إلا أن كفر المشركين لما كان أعظم حسن تخصيصهم بالكفار بسبب توغلهم في الكفر . قوله : ( وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده ) ضعفه ؛ لأن تقدير متعلق الإيمان لا حاجة إليه في تعليل الأمر بالتقوى .
قوله : ( أو المناداة ) على أن يكون ضمير« اتَّخَذُوها »راجعا إلى مصدر« نادَيْتُمْ »ولا حاجة إلى هذا التكلف مع ذكر ما يصح أن يرجع إليه الضمير صريحا ، بخلاف قوله تعالى :اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى[ المائدة : 8 ] إلا أن المصنف ذكر هذا الاحتمال لكونه مؤيدا بقصة النصراني . قوله : ( وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة ) يعني أن ثبوت الأذان ليس بالمنام وحده بل هو ثابت بنص هذه الآية ، فإن المعنى : إذا دعوتم الناس إلى الصلاة