والتسمية أمور متغايرة .
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ
أجبرها بحفظك
وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
( 36 ) المطرود ، وأصل الرجم الرمي بالحجارة . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ من مسّه إلا مريم وابنها » . ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن اللّه تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة .
فَتَقَبَّلَها رَبُّها
فرضي بها في النذر مكان الذكر .
بِقَبُولٍ حَسَنٍ
بوجه حسن يقبل به النذائر وهو إقامتها مقام الذكر أو تسلّمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر
شرح
قولها :وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَفإن معناه جعلت هذا اللفظ اسما فالذات الموضوع لها مسمى ولفظ مريم اسم لها وجعله اسما لها تسمية . وظاهر هذا الكلام يدل على أن عمران كان قد مات قبل وضع حنة مريم وإلا لما تولّت الأم تسمية المولود لأن العادة أن التسمية يتولاها الأباء ولما فاتها أن يكون ما في بطنها رجلا خادما للمسجد تضرعت إلى اللّه تعالى في أن يحفظها من الشيطان وأن يجعلها من الصالحات .
قوله : ( فرضي بها ) إشارة إلى أن تقبل بمعنى الثلاثي المجرد نحو : تعجب وعجب من كذا ، وتبرأ وبرئ منه . والقبول مصدر قولهم : قبل فلان الشيء إذا رضيه إلا أنه عبر عن معنى القبول بلفظ التقبل للدلالة على المبالغة في إظهار القبول لأن باب التفعل يدل على شدة اعتناء الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان المبالغة في إظهار الصبر والجلادة فكذا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول . فإن قيل : فلم لم يقل :
فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى تكمل المبالغة ؟ فالجواب أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا ، إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع ، وأما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع .
فذكر التقبل أولا ليفيد الجد والمبالغة ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك القبول ليس على خلاف الطبع بل على وفق الطبع وأحسن الوجوه . والباء في قوله :بِقَبُولٍ حَسَنٍيحتمل أن تكون زائدة كما في قوله تعالى :وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[ البقرة : 195 ]وَكَفى بِاللَّهِ *آيات كثيرة . وهذا على تقدير أن يكون القبول مصدر قبل يقبل فإنه حينئذ لا يكون للباء معنى بل لا بد أن يقال : فتقبلها قبولا حسنا . ويحتمل أن تكون للآلة وهذا على تقدير أن يكون القبول اسما لما يتقبل به الشيء كالسعوط واللدود فإن الأول اسم لما يسعط به والثاني لما يلد أي الدواء الذي يصب في أحد شقي الفم . ولد يدا الفم جانباه . والسعوط الدواء الذي يصب في الأنف ، والسعط الإناء الذي يجعل فيه السعوط . واختار المصنف هذا الوجه حيث قدم قوله :
« بوجه حسن يقبل به النذائر » وذلك الوجه قبول تلك الأنثى مع أنوثتها وصغرها ، فإن المعتاد في تلك الشريعة أن لا يجوز التحرير إلا في حق غلام قادر على خدمة المسجد وههنا لما