أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
الذي هو الميل والمداهنة في الحكم . والمراد بالجاهلية الملة التي هي متابعة الهوى . وقيل : نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى . وقرىء برفع « الحكم » على أنه مبتدأ و « يبغون » خبره والراجع محذوف حذفه في الصلة في قوله تعالى :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
[ الفرقان : 41 ] واستضعف ذلك في غير الشعر . وقرىء « أفحكم الجاهلية » أي يبغون حاكما كحاكم الجاهلية يحكم بحسب شهيّتهم . وقرأ ابن عامر « تبغون » بالتاء على قل لهم أفحكم الجاهلية تبغون
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
( 50 ) أي عندهم واللام للبيان كما في قوله تعالى :
هَيْتَ لَكَ
أي هذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من اللّه عز وجل .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
إيماء إلى علة النهي أي فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين واجتماعهم على مضادّتكم
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
أي ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال عليه الصلاة والسّلام : « لا تتراءى ناراهما » أو لأن الموالين لهم كانوا منافقين .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( 51 ) أي الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم .
شرح
يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم . قوله تعالى :( أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ )قراءة الجمهور بضم الحاء وسكون الكاف ونصب الميم على أن « حكم » مفعول مقدم ل « يبغون » ومضمونه هو المستفهم عنه . ومعنى الهمزة الإنكار والاستعظام ، وهي داخلة على الفعل المقدر الذي عطف عليه قوله : « يبغون » بكلمة الفاء ، والتقدير : أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية . قوله : ( واللام للبيان ) فتتعلق بمحذوف كما في قولهم : « سقيا لك » و « هيت لك » فإن « سقيا » دعاء للمخاطب بأن يسقيه اللّه فيكون ذلك بيانا للمدعو له بالسقي ، وكذا « هيت » بمعنى هلم وائت ، ففيه ضمير المخاطب المأمور بالإتيان . ولم يلتفت إلى احتمال أن تكون متعلقة بقوله : « حكما » لأن حكم اللّه تعالى لا يختص بقوم دون قوم . قوله : ( عليه الصلاة والسّلام لا تتراءى ناراهما ) الترائي تفاعل من الرؤية ، يقال : تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا . في الفائق : أن قوما من مكة أسلموا وكانوا مقيمين بها قبل الفتح ، فقال عليه الصلاة والسّلام : « أنا بريء من كل مسلم مع مشرك » فقيل له : لم يا رسول اللّه ؟ فقال : « لا تتراءى ناراهما » أي يجب أن يتباعدا بحيث إذا أوقدت ناراهما لم تلمح إحداهما الأخرى . وإسناد