بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه . فقالوا : يا محمد قد عرفت « أنّا أحبار اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ، وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك . فأبى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فنزلت .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن الحكم المنزل وأرادوا غيره
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
يعني ذنب التولي عن حكم اللّه تعالى فعبّر عنه بذلك تنبيها على أن لهم ذنوبا كثيرة وهذا مع عظمه واحد منها معدود من جملتها وفيه دلالة على التعظيم كما في التنكير ونظيره قول لبيد :
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
( 49 ) لمتمردون في الكفر ومعتدون فيه .
شرح
متوهما في حقه . قوله : ( وفيه دلالة ) أي في سلوك طريق الإبهام ، حيث عبر عن ذنب التولي ببعض ذنوبهم دلالة على تعظيم ذلك الذنب ، كما يدل على تعظيم التعبير عن المعنى المراد بالاسم المنكر كما في قوله :له حاجب من كل أمر يشينهأي حاجب عظيم ؛ ونظيره قوله :( أو يرتبط بعض النفوس حمامها )أراد ببعض النفوس نفسه ، فعظمها بالإبهام ؛ وأول البيت :أو لم تكن تدري نوار بأنني * وصّال عقد حبائل جذّامهاترّاك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامهانوار اسم امرأة حذف منه حرف النداء ، أي : يا نوار . والحبائل جمع حبالة وهي ما يصاد به . وعقد الحبائل عبارة عن عقد المحبة ؛ يقول لها : ألم تدر أني وصال عقد من أراد محبتي قطاع من يقطع وصلتي وأني جوّال . الفيافي تراك أمكنة إذا لم يكن مجموع الأمرين الرضى بها والموت فيها جميعا ، وأما إذا حصل أحدهما فلا ترك . وهذا المعنى يستفاد من كون « يرتبط » مجزوما معطوفا على المجزوم قبله ، فينسحب حكم النفي على الأمرين جميعا ، والمعنى : إذا لم أرضها ولم أمت فيها . ومعنى الآية : فإن أعرضوا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فاعلم أن إعراضهم ذلك لأجل أن اللّه تعالى يريد أن يجعل لهم العقوبة في الآخرة ، فدلت الآية على أن جميع أفعال العباد من الطاعة والمعصية بإرادة اللّه تعالى لا يريد أن