الدين من نهج الأمر إذا وضح واستدلّ به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل ومفعول « لو شاء » محذوف دل عليه الجواب . وقيل : المعنى لو شاء اللّه اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه .
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر وقرن هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها مقتضى الحكمة الإلهية أم تزيغون عن الحق وتفرّطون في العمل ؟
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
فابتدروها انتهازا للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق ووعد ووعيد للمبادرين والمقصرين .
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
( 48 ) بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعامل والمقصر .
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
عطف على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم ، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن أحكم . ويجوز أن يكون جملة بتقدير وأمرنا أن أحكم .
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
أي إن يضلوك ويصرفوك عنه وأن بصلته بدل من « هم » بدل الاشتمال أي احذرهم فتنتهم ، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك ، روي أن أحبار اليهود قالوا : اذهبوا
شرح
الحياة الحيوانية . والمنهاج : الطريق الواضح ، يقال : نهج الأمر وأنهج لغتان بمعنى وضح .
قوله : ( فابتدروها ) أي بادروا إلى الأعمال الصالحة حيثما أمرتم بها انتهازا للفرصة واغتناما لها ، والنهزة : الفرصة ، وانتهزها أي اغتنمها ، والحيازة : الإحاطة .
قوله : ( أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم ) على أنّ « أن » المصدرية دخلت على الأمر دخولها على سائر الأفعال ، فكأنه قيل : وأنزلنا إليك الأمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى . قال الإمام : أعاد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى ، وهي قوله تعالى :فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُلوجهين ، أحدهما : التأكيد ، والثاني : ما أشار إليه المصنف بما رواه في سبب النزول . قوله : ( وأن بصلته بدل منهم ) أي من مفعول « احذرهم » كأنه قيل : احذر فتنتهم ، بإضافة « الفتنة » إلى فاعلها ، والفتنة ههنا بمعنى الإمالة عن الحق والإيقاع في الباطل ، أشار إليه المصنف بقوله : « أن يضلوك ويصرفوك عنه » قال أبو عبيد : كل من صرف عن الحق إلى الباطل وأميل عن القصد فقد فتن . فاستدل العلماء بهذه الآية على أن الخطأ والنسيان جائز على الرسل ؛ لأنه تعالى قال : فاحذرهمأَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَوالتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسل فلم يبق إلا الخطأ والنسيان ، والظاهر أن المراد تقوية همته وعزيمته على الثبات على الحكم بالحق والامتثال لأمر اللّه تعالى من غير أن يكون الميل عنه