للتبيين .
وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
رقباء لا يتركون أن يغيروا أو شهداء يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريّا .
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
نهي للحكام أن يخشوا غير اللّه في حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو مراقبة كبير .
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي
ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها
ثَمَناً قَلِيلًا
هو الرشوة والجاه
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
مستهينا به منكرا له
فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
( 44 ) لاستهانتهم به وتمرّدهم بأن حكموا بغيره ولذلك وصفهم بقوله : « الظالمون » و « الفاسقون » فكفرهم لإنكاره وظلمهم بالحكم بخلافه ، وفسقهم بالخروج عنه . ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها أو لطائفة كما قيل : هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى .
شرح
الأول ، فإنه تعالى قد أخذ على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين معا أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه ؛ والمعنى أنهم يحكمون جميعا بأحكام التوراة بسبب التوراة المستحفظة عندهم التي كانوا عليها شهداء ، والمقصود منه أن حكمهم بسبب استحفاظ التوراة وكونهم عليها شهداء .
والغرض من بيان هذه السببية بيان أن ليس الباء في قوله تعالى :بِمَا اسْتُحْفِظُوامثلها في قوله :يَحْكُمُ بِهَاليلزم تعلق حرفي جر بمعنى واحد بفعل واحد ، بل الأولى صلة « يحكم » كما في قولك : حكمت بكذا ؛ وهذه سببية وإن كانتا داخلتين على شيء واحد بالذات وهو كتاب اللّه تعالى . قوله : ( رقباء ) على أن يكون « شهداء » من الشهود الذي هو الحضور ، وقوله أو شهداء يبينون ما يخفى منه على أن يكون من الشهادة والبيان والمداهنة المصانعة والملاينة ، وكذا الإدهان يقال : أدهن في الأمر أي لاين فيه ودارى .
ثم إنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة ومداهنة مع أحد خاطب اليهود الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومنعهم من التحريف والتغيير ، فقال تعالى :فَلا تَخْشَوُا النَّاسَالآية ؛ هكذا قال الإمام في ربطه بما قبله ، والظاهر ما قاله المصنف من أنه نهي للحكام أن يخشوا غير اللّه تعالى وأن الخطاب لهم لا لليهود الحاضرين . ثم إن الإقدام على التحريف لما لم يكن إلا لدفع ضرر أو لجلب نفع ، وكان دفع الضرر أشد وأقوى في كونه حاملا على الإقدام على التحريف ، قدم النهي عن التحريف بناء على خشية ظلم الناس وأردفه بالنهي عنه بناء على طمع الثمن القليل ، فقال :وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًاأي : كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف من الناس فكذلك أنهاكم عن تغييرها لأجل طمع الجاه والمال فإن متاع الدنيا قليل . ولما منعهم