من إن جررته أي جنيته . ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل و « من » ابتدائية متعلقة « بكتبنا » أي ابتداء الكتب وإنشاؤه من أجل ذلك .
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ
أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص .
أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ
أو بغير فساد فيها كالشرك وقطع الطريق .
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
من حيث إنه هتك حرمة الدماء وسنّ القتل وجرّأ الناس عليه ، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب اللّه والعذاب العظيم .
وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
أي ومن تسبّب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا ، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض له وترغيبا في المحاماة عليها .
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
( 32 ) أي بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد كي يتحاموا عنها كثير منهم يسرفون في الأرض
شرح
يأمن ممن يراه كائنا من كان حتى قتله أحد أولاده . ولما كانت قصة قابيل وهابيل مشتملة على هذه المكاره مؤدية إليها حسن أن يقال :مِنْ أَجْلِ ذلِكَأي كون القتل على سبيل العدوان مؤديا إلى تلك المفاسد ، قضينا على بني إسرائيل أن قتل نفس واحدة على سبيل العدوان معادل لقتل الناس جميعا ، وإحياءها بأن يكون سببا لبقاء حياتها بالعفو عن الجانبين وعدم الاقتصاص منهم ، أو بمنع القاتل أن يقتل من أراد قتله ، أو بتخليص من توجه إليه سبب من أسباب الهلاك من غرق أو حرق أو غير ذلك ؛ معادل لإحياء الناس جميعا . وقتل النفس وإن كان بغير حق حرام في جميع الأديان ، إلا أن بني إسرائيل خصوا بمزيد التشديد والتغليظ حيث جعل قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا ، لبلوغهم في قساوة القلب والإباء عن طاعة اللّه تعالى إلى أقصى المراتب ، حتى استحلوا قتل الأنبياء كزكريا ويحيى ، وهموا بقتل عيسى . وكلمة« مِنْ »في قوله تعالى :مِنْ أَجْلِ ذلِكَلابتداء الغاية ، متعلقة ب« كَتَبْنا »أي ابتدأنا الكتب وأنشأناه من أجل ذلك . و « أجل » بفتح الهمزة وسكون الجيم في الأصل مصدر أجل عليهم شرّا يأجل أجلا أي جناه وأوجبه ، وأنا فعلت من أجلك كذا أي جنيت فعله وأوجبته ، فإذا قلت : أنا آجله ، فكأنك قلت : أنا جانيه وكاسبه . استعمل في تعليل الجنايات ، أي في تعليل جناية المتكلم وتعديه في حق المخاطب ، يقال : فعلته من أجلك أي بسبب جنيه لك وكسبه كما في « من جرواك فعلت كذا » أي من أجلك ، من جروت أي جنيت ، وهي فعلى من جرا يجرؤ ، كدعوى من دعا يدعو . والمعنى : أنك فعلت فعلا وجرّ ذلك إلى فعل ما فعلته بأن كان سببا له .