تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
( 29 ) تعليل ثان لامتناع عن المعارضة والمقاومة . والمعنى إنما أستسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي وإثمك ببسط يدك إليّ ونحوه المستبّان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم . وقيل : معنى بإثمي بإثم قتلي وبإثمك الذي لم يتقبّل لأجله قربانك ، وكلاهما في موضع الحال أي ترجع ملتبسا بالإثمين حاملا لهما . ولعله لم يرد معصية أخيه وشقاوته بل قصده بهذا الكلام إلى أن ذلك إن كان لا محالة واقعا فأريد أن يكون لك لا لي فالمراد بالذات أن لا يكون له لا أن يكون لأخيه . ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته وإرادة عقاب العاصي جائزة .
شرح
بالقسم أولا وبزيادة الباء في جواب القسم ثانيا ، فإن اللام في قوله : « لئن بسطت » موطئة للقسم ، وقوله : « ما أنا بباسط » جواب القسم ساد مسدّ جواب الشرط . قوله : ( والمعنى إنما أستسلم لك ) أي أمتنع من معارضتك خوفا من اللّه تعالى في مخالفة حكم ، أو خوفا من انتقاص أجر بترك الأولى وإرادة كونك حامل الإثمين جميعا إثم مباشرتك ببسط يدك إلي لتقتلني وإثم تسببك لأن أبسط إليك يدي لقتلك لو بسطت يدي إليك لقتلك ؛ لاستحالة أن تحمل نفس إثم شخص آخر بقوله تعالى :وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى[ الأنعام : 164 ؛ الإسراء : 15 ؛ فاطر : 18 ؛ الزمر : 7 ] والحديث المذكور نظير الآية في الدلالة على كون شخص واحد حامل الإثمين : إثم المباشرة وإثم كونه سببا لإثم شخص آخر ، فإن البادىء بالسبّ حامل لإثم سبّه بالمباشرة وإثم تسببه لسبّ صاحبه إياه ، فإن السبّ من حيث كونه هتكا للعرض إثم سواء وقع ابتداء أو على سبيل المكافأة مأذونا فيه معفوا عنه بقوله تعالى :فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ[ البقرة : 194 ] . قوله : ( عليه الصلاة والسّلام المستبّان ما قالا فعلى البادىء ، ما لم يعتد المظلوم ) « ما » في قوله : « ما لم » مصدرية قائمة مقام المدة التي هي ظرف متعلق الجار والمجرور ، والمعنى : أنه على البادىء مدة عدم تجاوزه عن حد المكافأة والمماثلة والاعتداء التجاوز عن الحد ، فقد حكم عليه الصلاة والسّلام بأن البادىء عليه إثم سبّه بالمباشرة وسبّ صاحبه لكون البادىء سببا لسبه ، إلا أن ما على البادىء بالسب ليس عين إثم صاحبه ، لقوله تعالى :وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىوإنما عليه وزر تسببه لما اكتسبه صاحبه . قوله : ( وقيل معنى بإثمي إلى آخره ) عطف على قوله : « وإثمك ببسط يدك إليّ » . قوله : ( ولعله لم يرد ) أي هابيل حين قال :أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِمعصية أخيه قابيل وشقاوته جواب عما يقال ، كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصي اللّه تعالى ويستحق عذابه ؛ فكذلك لا يجوز أن يريد ذلك من غيره لا سيما من أخيه فكيف جاز له أن يقول إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ؟ وتقرير