تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
فسهّلته له ووسّعته من طاع له المرتع إذا اتسع وقرىء « فطاوعت » على أنه فاعل بمعنى فعّل أو على أن قتل أخيه كأنه دعاها إلى الإقدام عليه فطاوعته وله لزيادة الربط كقولك : حفظت لزيد ماله .
فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 30 ) دينا ودنيا إذ بقي مدّة عمره مطرودا محزونا . قيل : قتل هابيل وهو ابن عشرين سنة عند عقبة حراء . وقيل : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم .
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
روي أنه لما قتله تحيّر في أمره ولم يدر ما يصنع به إذ كان أوّل ميّت من بني آدم ، فبعث اللّه غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة : والضمير ف ي « ليرى » للّه تعالى أو للغراب و
« كَيْفَ »
حال من الضمير في
« يُوارِي »
والجملة ثاني مفعولي « يرى » . والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فإنه مما يستقبح أن يرى
قالَ
شرح
الجواب : أن هابيل لم يرد معصية أخيه وإنما أراد عصمة نفسه منها ؛ وذلك لأن هابيل لما رأى أن أخاه صمم عزمه على قتله ولاحظ أنه لا يخلو إما أن يكون فارغا عن حال أخيه يفعل به ما شاء أو يقتل هو أخاه ابتداء بمجرد ظنه أن أخاه على صدد قتله وكل واحد من الأمرين معصية كبيرة ، فلما رأى أن هذه المعصية واقعة لا محالة إما من نفسه أو من أخيه قال : إني أريد أن تبوء بالإثم المتوقع مني ومنك ؛ فالمقصود بالذات أن لا تقع تلك المعصية من نفسه لا أن تقع من أخيه . ولو سلم أنه أرادها من أخيه فلا نسلم أن إرادة ذلك في هذه الحالة على هذا الشرط معصية وحرام بل هي عين الطاعة ومحض التقوى . وأجاب عنه ثانيا بجواز أن يكون المراد : إني أريد أن تبوء بعقوبة قتلي ، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من اللّه تعالى عذاب ظالمه . قوله : ( فسهّلت له ) أي جعلت له نفسه قتل أخيه شيئا سهلا وأمرا هينا مع أن قتل النفس بغير حق لا سيما قتل الأخ صعب ينكره الشرع القويم والعقل السليم والطبع المستقيم ، يقال : طاع له أي صار طائعا منقادا ، ويعدّى بالتضعيف . قوله : ( على أنه فاعل بمعنى فعل ) ولا يكون للمشاركة ، أو يكون للمشاركة على معنى أنه لما أراد قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه وهي تأبى ذلك وتشمئز منه ، إلى أن غلب على النفس فطاوعت له وأجابته . و « له » متعلق ب « طوّعت » على القراءتين ، زيدت اللام لتقوية الارتباط وإن كان الكلام يتم بدونها . قوله : ( دينا ودنيا ) أما دينا فظاهر ، وأما دنيا فلأنه أسخط والده وبقي مذموما إلى يوم القيامة ؛ روي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلا ، فقال : بل قتلته ولذلك اسود جسدك . ومكث آدم عليه السّلام بعده مائة سنة لم يضحك قط . قوله : ( والجملة ثاني مفعولي يرى ) أي سادّة مسده ؛ لأن الجملة