أوتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلي فلم تقتلني ؟ وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محفوظا لا في إزالة حظه فإن ذلك مما يضرّه ولا ينفعه وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متّق .
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
( 28 ) قيل : كان هابيل أقوى منه ولكن تحرّج عن قتله واستسلم له خوفا من اللّه تعالى لأن الدفع لم يبح بعد أو تحرّيا لما هو الأفضل . قال عليه الصلاة والسّلام : « كن عبد اللّه المقتول ولا تكن عبد اللّه القاتل » . وإنما قال : « ما أنا بباسط » في جواب « لئن بسطت » للتبرؤ عن هذا الفعل الشنيع رأسا والتحرّز من أن يوصف به ويطلق عليه ، ولذلك أكد النفي بالباء .
شرح
لأخيه هابيل : لأقتلنك حسدا على تقبل قربانك وعدم قبول قرباني ؛ فصح لهابيل أن يجيب بأن يقول له : إنما أوتيت من قبل نفسك حيث تعريت على لباس التقوى لا من قبلي فلم تقتلني ؟ وما لك لا تجهد نفسك ولا تحملها على تقوى اللّه تعالى التي هي السبب لقبول العمل ؟ قوله : ( قيل كان هابيل أقوى منه ) أي من قابيل وأقدر على دفعه عن نفسه ، إلا أنه لم يبسط يديه ولم يدفعه عن نفسه خوفا من اللّه تعالى ؛ لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت ؛ فلذلك انقاد لأخيه ولم يدفعه عن نفسه . ومقصود المصنف من إيراد هذا القول دفع ما يقال : لم لم يدفع المقتول القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب ؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام ، فلم قال إني أخاف اللّه رب العالمين ؟ قوله : ( أو تحرّيا لما هو الأفضل ) وهو الصبر والاستسلام مع القدرة على الدفع ، فإنه أفضل لقوله عليه الصلاة والسّلام لمحمد بن مسلمة : « ألق كمّك على وجهك وكن عبد اللّه المظلوم ولا تكن عبد اللّه الظالم » وهو معطوف على قوله خوفا من اللّه تعالى ، فهذا على تقدير أن يكون استسلامه للقاتل وعدم التعرض لدفعه لتحري ما هو الأفضل ، والأول بمعنى الخوف من معصيته ومخالفة حكمه . والمراد ببسط اليد مدها والتحرج التأثم وعد مد اليد دفعا عن نفسه ذنبا موجبا للتحرز عنه . قوله : ( وإنما قال ما أنا بباسط يدي ) جواب عما يقال : لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل حيث قال : « لئن بسطت ما أنا بباسط » ؟ وتقرير الجواب : أن جواب القسم الساد مسد جواب الشرط لو جاء فعلا وقيل لا أبسط يدي إليك لكان المعنى : إني لا أفعل هذا الفعل الشنيع في الحال أو فيما سيأتي من الزمان ؛ وليس هذا المعنى بمراد ، بل المراد بيان أنه لا يلابس ذلك الفعل على سبيل الاستمرار والدوام ، فلذلك أوثر لفظ اسم الفاعل على لفظ اسم الفعل ، فكأنه قيل : لست ممن يوصف ببسط اليد إليك بالقتل قط . وهذا أبلغ من نفي الفعل فيه بل ما نسبه إلى نفسه في بعض الأزمنة ؛ ولهذا أكد نفيه