معهم في التيه إلا أنه كان ذلك روحا لهما وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم وأنهما ماتا فيه ، مات هارون وموسى بعده بسنة ، ثم دخل يوشع أريحاء بعد ثلاثة أشهر ، ومات النقباء فيه بغتة غير كالب ويوشع .
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
( 26 ) خاطب به موسى لما ندم على الدعاء عليهم وبيّن أنهم أحقاء بذلك لفسقهم .
شرح
معهم في التيه وبأن فيه عذاب من عصى وتمرد ، والأنبياء معصومون من العصيان صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين فلا يعذبون . والصحيح أنهما كانا فيه مع القوم ، إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم النار فجعلها عليه بردا وسلاما . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا فيه أو خرجا منه ؟ فقال بعضهم : إن هارون مات فيه ثم موسى بعده بسنة وبقي كالب بن يوقنا ختن موسى ويوشع بن نون فتاه ووصيه بعد موته وهو الذي فتح الأرض المقدسة ، وقيل : إنه ملك كل الشام بعد ذلك . وقال آخرون : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبابرة وفتح أريحاء ، وكان يوشع على مقدمته فدخلها يوشع وقاتل الجبابرة ، ثم دخلها موسى وأقام فيها ما شاء اللّه تعالى ثم قبضه اللّه تعالى إليه ، ولا يعلم قبره إلا اللّه تعالى . قيل : هذا أصح الأقاويل ، لاتفاق العلماء على أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السّلام . قوله : ( خاطب به موسى عليه السّلام لما ندم على الدعاء عليهم ) فإنهم لما أبوا عن جهاد الجبابرة وعصوا نبيهم دعا عليهم فقال : ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي ولا أثق بطاعة غيرنا بل أتوهّم منهم الفسق والخروج عن الطاعة ، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ! أي أخرجنا من عدادهم وميز بيننا وبينهم في أمر المجازاة على أعمالنا وديانتنا وأثبنا بطاعتنا فإنا مطيعون لك وعاقبهم على أمر مخالفتهم وعصيانهم ! فعاقبهم اللّه تعالى بأن حرم عليهم دخول الأرض المقدسة وجعلهم متحيرين في التيه أربعين سنة ، فلما تطاولت وامتدت مدة احتباسهم في التيه أربعين سنة بسبب دعائه عليهم ندم موسى عليه السّلام على ما دعا عليهم ، فخاطبه اللّه تعالى بقوله :فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَأي لا تحزن عليهم بما أصابهم لأنهم أحقاء بذلك بسبب فسقهم وامتناعهم عن جهاد الجبارين وعصيان نبيهم .
ويجوز أن يكون الخطاب لسيد المرسلين ، أي : ولا تحزن على قوم شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل . ثم إنه تعالى لما ذكر قبائح المشركين وأهل الكتاب المبنية على حسدهم لرسولهم صلّى اللّه على نبينا وعليه وسلم من حيث إنه خصصه بالرسالة من بينهم وجعله هدى للناس يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يتلو عليهم أو على أهل الكتاب أو على الناس كافة نبأ ابني آدم وما وقع من أن أحدهما قتل الآخر حسدا على قبول قربانه وعدم قبول قربان نفسه ، وبين به أن الحسد وقع به في سوء العاقبة .
والمقصود منه التحذير عن الحسد - فقال تعالى :وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا