ويؤيد ذلك ما روي أن موسى عليه الصلاة والسّلام سار بعده بمن بقي من بني إسرائيل ففتح أريحاء وأقام بها ما شاء اللّه ثم قبض . وقيل : إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن اللّه تعالى أمره بقتال الجبابرة . فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة وصار الشام كله لبني إسرائيل . وإما يتيهون أي يسيرون فيها متحيرين لا يرون طريقا فيكون التحريم مطلقا . وقد قيل : لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال :
لَنْ نَدْخُلَها
[ المائدة : 24 ] بل هلكوا في التيه ، وإنما قاتل الجبابرة أولادهم . روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون من الصباح إلى المساء فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه وكان الغمام يظلّهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم وكان طعامهم المنّ والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملونه ، والأكثر على أن موسى وهارون كانا
شرح
بمدة ، أو حالا من الضمير في « عليهم » . والوجه الثاني : أنه منصوب بقوله : « يتيهون » قيد له ، فيكون التحريم مطلقا ، ويحتمل أن يكون مؤبدا وأن يكون منقطعا . والتيه : الحيرة ، ومنه : أرض تيهاء يتحير فيها سالكها ولا يهتدي فيها إلى السبيل . واختلفوا في مقدار أرض التيه ، فقيل : ستة فراسخ ، وكان القوم ستمائة ألف فارس ، فكان لكل مائة ألف منهم فرسخ مسيرة نصف يوم ، على أن الفرسخ أربعة أميال والميل ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف ذراع .
وقيل : كان التيه ستة فراسخ عرضا في اثني عشر فرسخا طولا ؛ قال الإمام : فإن قيل : كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا المقدار الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتصور لأحدهم أن يجد طريقا إلى الخروج منها ، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الفلك لخرجوا منها ، ولو كانوا في البحر العظيم ، فكيف في المفازة الصغيرة ؟ وأجاب عنه بوجهين ، الأول : أن انخراق العادة في زمن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام غير مستبعد ، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد للزم الطعن في جميع المعجزات وهو باطل . والثاني : أنا إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال ، لاحتمال أن اللّه تعالى حرم عليهم الرجوع إلى أوطانهم وأمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة في المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم من المخالفة والعصيان . قوله : ( وكان الغمام يظلّهم إلى آخره ) إن قيل : هذه المذكورات نعم جليلة وكان حبسهم في التيه عقوبة ومحنة ، فكيف يجتمعان ؟ قلنا : عقوبة الدنيا تجامع النعمة ولا تنافيها ، لجواز أن يكون العبد في نعمة من وجه وفي محنة من وجه آخر ، وإنما يتنافيان أن لو كانت الدنيا دار الجزاء على الحقيقة ، وليست كذلك . قوله :
( والأكثر على ) يعني أن الناس اختلفوا في أن موسى وهارون هل بقيا مع القوم في التيه أو لا ؟ فقال بعضهم : إنهما ما كانا فيه ، استدلالا بأنه عليه السّلام دعا أن يفرق بينه وبين أولئك الفاسقين ، ودعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مستجابة ، وهي تدل على أنهما ما كانا