يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
أرض بيت المقدس سمّيت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين . وقيل : الطور وما حوله . وقيل : دمشق وفلسطين وبعض الأردن . وقيل : الشام .
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
قسمها لكم أو كتب في اللوح أنها تكون مسكنا لكم ولكن إن آمنتم وأطعتم لقوله لهم بعد ما عصوا
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 26 ]
وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ
ولا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة . قيل :
لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا وقالوا : ليتنا متنا بمصر تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف
شرح
والمصنف اختار التخصيص في جانب ما لم يؤت ، وأجرى العالمين على عمومه ؛ لأن إبقاء عموم ما لم يؤت على حاله وتخصيص العالمين يستلزم أن يكون قوم موسى عليه الصلاة والسّلام مفضلين على أهل زمانهم بأن يؤتوا جميعا الفضائل التي لم تؤت أهل زمانهم ، وليس الأمر كذلك بل هم متميزون عن غيرهم بأن ما أوتوه يختص بهم لم يعطه غيرهم من آحاد العالمين . قوله : ( سمّيت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ) يعني أن معنى المقدسة :
المطهرة ، وتلك الأرض طهرت من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ؛ نقل الإمام هذا المعنى عن المفسرين ، ثم قال : وفيه نظر لأن تلك الأرض التي أمرهم موسى عليه السّلام بدخولها ما كانت مقدسة عن الشرك ، وما كانت مقرا للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام حين قال لهم : ادخلوا الأرض المقدسة ؛ والأقرب أن يقال : سميت مقدسة لكونها مطهرة من الآفات . ثم قال : ويمكن أن يجاب بأنها كذلك فيما قبل . وعن الكلبي :
أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لما صعد جبل لبنان قال اللّه سبحانه وتعالى له : « انظر فيما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك » ولما وعدها اللّه تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسّلام ميراثا لولده فسر قوله تعالى :كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْبأن قال : قسمها وسماها لكم . ولما ورد أن يقال كيف يصح هذا التفسير ؟ وقد روي أنهم لما لم يجيبوا إلى دخول القرية وجهاد الجبابرة بقوا في التيه أربعين سنة ، قال للّه تعالى :« فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ »وماتوا فيه ، فكيف كانت مكتوبة لهم ؟ أشار المصنف رحمه اللّه تعالى إلى جوابه بقوله : « ولكن إن آمنتم وأطعتم » يعني أن هذا الوعد كان مقيدا بشرط الإجابة والإطاعة ، ولما خالفوا الشرط حرموها . وأجيب أيضا بأن الخطاب كان لبني إسرائيل ، وقد وقع الفتح على أيدي أولاد هؤلاء ، وأنهم دخلوا فتحقق الوعد . وكونه حراما لبعضهم لا ينافي كونها مكتوبة لهم ، فإنه قد روي أن موسى عليه الصلاة والسّلام ويوشع بن نون وكالب بن يوقنا كانوا في التيه وخرجوا منه بأولاد من مات في التيه وقاتلوا الجبابرة وغلبوهم ودخلوا بلادهم . قوله :
( ولا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة ) قيل : لما دخل النقباء أرض الجبابرة يتجسسون أحوال تلك الديار وأهلها اختلفوا فيها أربعين يوما ، فرأوا أهلها كالبهم أجسام عظام هائلة ، حتى كان