تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى . وقيل : لما كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم وجعلهم مالكين لأنفسهم وأمورهم سمّاهم ملوكا .
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
( 20 ) من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ونحوها مما آتاهم اللّه . وقيل : المراد بالعالمين عالمي زمانهم .
شرح
موسى عليه السّلام ذكر قومه نعم اللّه تعالى عليهم من حيث إنه تعالى جعل الأنبياء منهم على عهد موسى بن عمران وهم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السّلام من قومه وانطلقوا معه إلى الجبل ، وأنه تعالى لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ، ورغبهم في شكر تلك النعم وطاعة المنعم فيما أمر به من جهاد الجبارين . ومن جملة ما أنعم اللّه تعالى على قوم موسى أنه تعالى جعل منهم أو فيهم ملوكا ، وقد ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد الجبابرة ملكهم . وقيل في تفسير « جعلهم ملوكا » أنه تعالى جعلهم أحرارا يملكون أنفسهم بعد ما كانوا في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا فلا يغلبنهم على أنفسهم غالب ، وقيل : من كان مستقلّا بأمر نفسه ومعيشته ولا يحتاج في مصالحه إلى أحد فهو ملك . وروي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان بنو إسرائيل إذا كان لأحد منهم خادم وامرأة ودابة كتب ملكا » . وروي أن رجلا قال لعبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد اللّه : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم ، قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء ، قال : فإن لي خادما ، قال : فأنت من الملوك . قوله : ( ونحوها مما آتاهم ) كإهلاك عدوهم من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك ، وإيراثهم أملاكهم من الديار والأموال ، وإخراج المياه العذبة الكافية لهم ولدوابهم من الحجر الصغير . قوله : ( وقيل المراد بالعالمين عالمي زمانهم ) لما دل ظاهر قوله تعالى :ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَعلى أن قوم موسى يفضلون على كل واحد من آحاد العالمين ، وليسوا كذلك وجه الكلام أولا بأن خصص عموم قوله تعالى :ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَبما أنعم اللّه تعالى به عليهم مما أوتوا خاصة من بين العالمين ، كإهلاك عدوهم بفلق البحر ؛ وما أفاض اللّه تعالى من فنون فضله وصنوف نعمائه الخارجة عن العدد والإحصاء ، كتظليل الغمام وإطعامهم طعام الملوك وسقيهم الماء الزلال الخارج من حجر صغير يابس وغير ذلك . ولا يلزم من تخصيص تلك النعم المختصة بهم تفضيلهم على سائر طوائف العالم ، لجواز أن يختص غيرهم بأفضل مما أوتوا . ووجهه ثانيا بأن خصص عموم العالمين بعالمي زمانهم لئلا يلزم تفضيلهم على العالمين جميعا . والحاصل أن قوله :ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَيتناول جميع ما لم يؤته غيرهم كما يتناول بعضه ، وكذا العالمين عام يتناول جميع العالم كما يتناول من في زمانهم من العالم .