وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلا يقرب من المسح ، وفي الفصل بينه وبين أخواته إيماء إلى وجوب الترتيب . وقرىء بالرفع على
شرح
العطف على قوله :« بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ »ليناسب ما في جواره . ومنه جر« أَلِيمٍ »في قوله تعالى :« عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ »مع أن حقه الرفع بناء على أنه صفة عذاب . ومنه قولهم : « هذا جحر ضبّ خرب » بجر « خرب » مع أنه صفة « جحر » لا « ضبّ » ، و « هذا ماء شن بارد » بجر « بارد » مع أنه صفة « ماء » وكان حقهما الرفع لكنهما ذكرا مجرورين للتناسب . قوله :
( وفائدته ) أي فائدة جرها بعطفها على « الرؤوس » مع كونها غير ممسوحة التنبيه على أنها وإن كانت من المغسولات إلا أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها وتغسل غسلا قريبا من المسح . ووجه الحاجة إلى التنبيه أن الأرجل من بين الأعضاء المغسولات مظنة الإسراف في صب الماء عليها من حيث إنها تغسل بصب الماء عليها ، فعطفت على الممسوح للتنبيه على ذلك حتى يجتنب المتوضىء عن إسراف الماء فإنه حرام منهيّ عنه . قوله : ( وفي الفصل بينه وبين أخواته إيماء إلى وجوب الترتيب ) اختلف العلماء في وجوب الترتيب بين وظائف الوضوء ، وهو أن يأتي بها على الترتيب في الآية ؛ فذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم اللّه تعالى إلى وجوبه ، وذهب جماعة منهم أبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب . فاحتج الشافعي رحمه اللّه تعالى بهذه الآية على مذهبه من وجوه ؛ الأول : أن قوله تعالى :إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْيقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه ؛ لأن « الفاء » للتعقيب ، وإذا وجب الترتيب في هذا المغسول وجب في غيره ، إذ لا قائل بالفرق . فإن قيل : فاء التعقيب إنما تقتضي أن يقع مجموع هذه الأفعال الأربعة عقيب القيام إلى الصلاة ، كأنه قيل : إذا قمتم إلى الصلاة فائتوا بمجموع هذه الأفعال ؟ قلنا : فاء التعقيب وإن أوجبت مجموع المذكورات عقيب القيام إليها إلا أن وجوب وقوع هذا المجموع عقيب القيام إليها لا ينافي تقديم وجوب غسل الوجه على سائر الأفعال ، فإنها لما دخلت على غسل الوجه أصالة وابتداء ودخلت على سائر الأفعال تبعا لدخولها على غسل الوجه ، كان وقوع هذا المجموع عقيب القيام إليها مقيدا برعاية الترتيب فيما بين الأفعال . والوجه الثاني من وجوه احتجاج الشافعي بهذه الآية :
أنه تعالى لما بدأ في ذكر وظائف الوضوء بغسل الوجه وجب علينا الامتثال بأمره تعالى وأن نبدأ بغسل الوجه ، لقوله تعالى :فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ[ هود : 112 ] ولقوله عليه الصلاة والسّلام : « ابدأوا بما بدأ اللّه به » . وهذا الخبر وإن ورد في قضية الصفا والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . والوجه الثالث منها : أنه سبحانه وتعالى أورد وظائف الوضوء على ترتيب خاص وهو ذكر الممسوح في أثناء المغسولات ، وهذا الترتيب مخالف للترتيب الذي يقتضيه العقل فإن المعقول أن يبدأ بذكر وظيفة الرأس نازلا إلى القدم أو يبدأ