ويعم الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى واستثنى علي رضي اللّه تعالى عنه نصارى بني تغلب وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ولا يلحق بهم المجوس في ذلك وإن ألحقوا بهم في التقرير على الجزية لقوله عليه السّلام : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم » .
وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ
فلا عليكم إن تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك .
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ
أي الحرائر العفائف وتخصيصهن بعث على ما هو الأولى
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وإن كنّ حربيات . وقال ابن عباس : لا تحل الحربيات .
شرح
قوله : ( ويعم الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى ) فيحل لنا ذبائحهم وإن ذبحوا على غير اسم اللّه تعالى ؛ عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : « لو ذبح نصراني على اسم المسيح لا تحل لنا ذبيحته » . وذهب أكثر العلماء إلى أنها تحل ، سئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح ، فأجابا بأن ذبيحته حلال لنا ، بناء على أنه تعالى قد أحل لنا ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . قوله : ( فلا عليكم أن تطعموهم وتبيعوه منهم ) لما ورد على ظاهر قوله تعالى :وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْأن الكفار لا يتدينون بديننا ولا يتمسكون بشريعتنا ، فما الفائدة في أن بين اللّه تعالى لهم كون طعامنا حلالا لهم ؟ أشار المصنف إلى جوابه بهذا القول ، وتقريره أن قوله تعالى :وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْليس المقصود منه بيان ما شرع لهم حتى يلزم كونه خاليا عن الفائدة من حيث إنهم لا يصدقون نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يعتقدون حقية كتابنا وحقية ما فيه من الأحكام ، بل المقصود منه بيان ما شرع لنا في حقهم من أنه لا بأس علينا في أن نطعمهم ونعاملهم معاملة تفيد لهم أن يملكوا طعامنا ، فقوله تعالى :وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْمن قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم ، فإن حل الطعام المختص بنا لهم يستلزم أن يحل لنا تمليك طعامنا إياهم وأن نطعمهم ذلك الطعام بالبيع أو الهبة أو الإباحة ، فإن حل طعامنا لهم يستلزم أن يحل لنا أن نملكهم طعامنا بأحد أسباب الملك والمخاطب إنما هو المسلمون لا الكفار فسقط السؤال . قال الإمام محيي السنة في تفسير قوله تعالى :وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ: فإن قيل : كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع ؟ قال الزجاج :
معناه حلال لكم أن تطعموهم ، فيكون خطاب الحل مع المسلمين . إلى هنا كلامه بعبارته .
قوله : ( أي الحرائر العفائف ) فسر المحصنات من النساء سواء كن من المؤمنات أو من الكتابيات بالحرائر العفائف عن الزنى ، فإن اعتبر مفهوم القيد لزم أن لا يصح نكاح الإماء سواء كنّ فاجرات أو عفائف ، وأن لا يصح نكاح العفائف سواء كن حرائر أو إماء ، مع أنه يصح نكاحهن عندنا ؛ بخلاف الشافعي فإنه لا يصح نكاح الأمة الكتابية عنده ، فوجب أن لا يعتبر مفهوم القيد ؛ لأن من قال بحجة المفهوم إنما يقول بها إذا لم يكن للقيد فائدة أخرى