وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ
عطف على الطيبات إن جعلت
« ما »
موصولة على تقدير : وصيد ما علمتم ، وجملة شرطية إن جعلت شرطا وجوابها
« فَكُلُوا »
. والجوارح كواسب الصيد على أهلها من سباع ذوات الأربع والطير
مُكَلِّبِينَ
معلّمين إياه الصيد والمكلّب مؤدّب الجوارح ومضرّيها بالصيد مشتق من الكلب لأن التأديب يكون أكثر فيه أثرا ، أو لأن كل سبع يسمى كلبا لقوله عليه الصلاة والسّلام : « اللهم سلّط كلبا من
شرح
عَلَيْكُمُالْخَبائِثَ *وغيره من الأدلة الشرعية القائمة على حرمة بعض ما في الأرض ، وأن حمل الطيبات في هذه الآية على المستلذات يجب تخصيصها أيضا بتلك الأدلة . قوله :
( عطف على الطيبات ) والمعنى : وأحل لكم صيد ما علّمتموه ، على حذف المضاف إلى الموصول وهو الصيد بمعنى المصيد . وإن جعلت « ما » شرطية يكون في محل الرفع بالابتداء لا بالعطف على « الطيبات » وخبره محذوف وهو : « فكلوا » فتكون الواو حينئذ لعطف الجملة .
و « من الجوارح » حال إما من الموصول أو من العائد المحذوف ، وهو جمع جارحة بمعنى كاسبة ، قال :وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ[ الأنعام : 60 ] وجوارح الإنسان أعضاؤه التي يكسب بها ، ويحتمل أن يكون من الجرح بمعنى تفريق الاتصال فإن الجوارح تجرح الصيد غالبا .
والمراد بالجوارح في الآية كل ما يكسب الصيد على أهله من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب ، ومن سباع الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحوها مما يقبل التعليم ، فإن صيد جميعها حلال .
قوله تعالى :( مُكَلِّبِينَ )حال من فاعل« عَلَّمْتُمْ »و« تُعَلِّمُونَهُنَّ »حال ثانية استئناف ، والتكليب تعليم الجوارح الاصطياد وتأديبها بحيث لا تأكل ما صادته بل تمسكه لمن أرسلها ، وهو في اللغة جعل الشيء كلبا ، والكلب كلب بنفسه لا بجعل المعلم ، فوجب أن يفسر التكليب بجعل الكلب كلبا كاملا ، وذلك إنما يكون بتأديبه وتضريته على الاصطياد لصاحبه بأن يمسك له ولا يأكله ؛ فلذلك فسر المكلب بمؤدب الجوارح ومضرّيها ، وهو يحتمل أن يكون من باب الإفعال والتفعيل . وإضراء الجوارح وتضريتها يطلق على تعويدها بالصيد وعلى إغرائها به ، يقال ضري الكلب يضرى ضراوة أي تعود ، وأضراه صاحبه أي عوده ، وأضراه به أيضا أي أغراه ؛ وكذلك التضرية ؛ كذا في الصحاح . إلا أن تفسير التكليب بتأديب الجوارح سواء كانت من سباع البهائم أو الطيور مبني على تغليب الكلب على باقي السباع لكون الكلب أكثر للصيد وكون التأديب أكثر فيه ، أو لأن كل سبع يسمى كلبا ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حق عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام وظهر منه تمرد وطغيان ، استحق به أن يدعو عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك » فأكله السبع في طريق الشام ، فلما استجاب اللّه تعالى دعاءه بأن سلط عليه الأسد علم أن كل سبع من سباع البهائم