وقيل : استثناء وفيه تعسف والصيد يحتمل المصدر والمفعول .
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
حال مما
شرح
وأيضا يلزم تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحال . وإذا اعتبرنا مفهومه يصير المعنى : إذا انتفت هذه الحال فلا توفوا بالعقود ؛ وليس الأمر كذلك فإنهم مأمورون بالإيفاء على كل حال .
قوله : ( وقيل استثناء ) أي من بهيمة الأنعام ، والتقدير : إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه إلا الصيد وأنتم محرمون . وهو تعسف ؛ لأن استعمال « غير » في الاستثناء قليل ، والحمل على القليل النادر مع جواز الوجه الشائع تعسف لا يحمل عليه الكلام البليغ مع أن أداة الاستثناء دخلت على إحلال الصيد لا على الصيد الذي صيد حال الإحرام . ولا يخفى أن استثناء إحلال الصيد من البهيمة تعسف ظاهر ، قال الإمام : واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله :أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِواقتضى إحلالها لهم على جميع الوجوه ، بين اللّه تعالى باستثناء ما يتلى علينا آية تحريمه أن البهيمة إن كانت ميتة أو موقوذة إلى آخره فهي محرمة ؛ والنوع الثاني من الاستثناء ، هو قوله تعالى :غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌفإنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وبين غير صيدها ، وبين لنا أن ما كان منها صيدا فإنه حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فإنه حلال في الحالين . نقل عن القرطبي أنه قال :
هذه الآية على قصر ألفاظها تتضمن خمسة أحكام : الأول : الوفاء بالعقود ، والثاني : تحليل بهيمة الأنعام ، والثالث : استثناء ما تلي علينا آية تحريمه بعد ذكر الحكم الثالث ، والرابع :
استثناء حال الإحرام فيما يصاد ، والخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكي أن أصحاب الكندي من الفلاسفة قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ! فقال : نعم أعمل لكم مثل بعضه . فاحتجب أياما ثم خرج فقال : واللّه ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بإلزام الوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد . وكل ذلك يدل على أنهم جعلوا قوله :غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِوقوله :إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْمستثنيين من شيء واحد وهو بهيمة الأنعام . قوله : ( والصيد يحتمل المصدر والمفعول ) فإنه في الأصل مصدر صاد يصيد ، يطلق على المصيد من الحيوان الممتنع المتوحش كما يطلق ضرب الأمير على مضروبه من الدراهم والدنانير . والصيد المذكور في الآية يحتمل الأمرين ، فإن كان باقيا على مصدريته يكون المعنى : غير محلي الاصطياد وأنتم محرمون ، وإن كان واقعا موقع المفعول يكون المعنى : غير المحلين الشيء المصيد وأنتم محرمون . وقوله تعالى :« حُرُمٌ »جمع حرام بمعنى محرم ، يقال : أحرم فلان إذا دخل الحرم أو في الإحرام . قوله : ( وأنتم حرم حال ) أي من الضمير في قوله : « محلي » وجعله حالا من نفس « محلّي » يستلزم وقوع الحال من