تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
قال الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا
وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال . ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها اللّه تعالى على عباده وألزمها إياهم من التكاليف وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الأمر على
شرح
وأحكمها ؛ شبهت العزيمة الموثقة بعقد الحبل بالحبل وشده بحيث يعسر الانفصال ، فإنهم لما شبهوا العهد بالحبل شبهوا الموثق به بالحبل المعقود والمشدود بشيء ، وأطلق اسم المشبه به وهو العقد بمعنى المعقود والمشدود وأريد العهد الموثق ، وهو مستعار من عقد الحبل وشده بشيء . واستشهد على كون العقد بمعنى العهد بقول الحطيئة في مدح قومه :( قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا )العناج - كالكتاب - في الدلو ما يشد في أسفلها ثم يشد إلى العراقي فيكون عونا لها وللأوزام ، فإذا انقطعت الأوزام أمسكها العناج ، فإن للدلو أوزاما توضع على رأسها خشبتان كالصليب ويشد أطرافهما بالسيور ، فالخشبتان عرقوتان ، وتلك السيور أوزام ، ثم يجعل حبل في أسفل الدلو إلى العراقي ويشد ذلك حتى لو انقطعت الأوزام قام ذلك الحبل الكبير مقامها ، وذلك الحبل هو الكرب ، فالكرب في أعلى الدلو والعناج في أسفلها ، ثم يجعل في الكرب الحبل الكبير الذي ينزح الماء به . ومقصود الشاعر المبالغة في وصف قومه بالوفاء للعهد ، استعار للعهد عقد الحبل ثم رشحها بشد العناج وشد الكرب لأنهما للتوثيق والاحتياط من الطرفين الأسفل والأعلى . وبعد البيت قوله :قوم هم الأنف والأذناب غير همو * ومن يسوّي بأنف الناقة الذّنباوالقوم الممدوحون بنوا أنف الناقة ، وسموا بأنف الناقة لأن أباهم الأكبر وهو جعفر بن قريع قد نهر أبوه جزورا فقسمها بين نسائه ، فبعثت جعفرا أمه وقد قسمت الجزور ولم يبق إلا رأسها ، فقال له : شأنك به ! فأدخل يده في أنفها وجعل يجرها فلقب به . وكانوا يستنكفون من هذا اللقب ويعدونه لقبا شنيعا غاية الشناعة ، إلى أن أبرزه الحطيئة في صورة المدح وكمال الرياسة فصاروا بعد ذلك يفتخرون به . قوله : ( ولعل المراد بالعقود ) لما فسر العقد بالعهد الموثق والإلزام المؤكد وكان لفظ « العقود » جمعا محلى باللام وهو يفيد العموم تناول الأنواع الثلاثة ؛ لأن عقود النوع الأول : ما عهد به اللّه تعالى وألزمه على عباده من الإيمان والطاعة بامتثال الأوامر والاجتناب عن